فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 735

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، جعل في هذه الأمة طوائف قائمة على الحق، تذود عن دين الله وتحمي بيضته حتى تقوم الساعة، والصلاة والسلام على رسول الله، الذي بلّغ هذا الدين وتركنا على المحجة والطريق الواضح الذي يوصلنا إلى تحقيق عبودية الله في الأرض وإظهار دينه ولو كره الكافرون {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ، وبعد

فإنه مما لا شك فيه أن الحرب سجال، يوم لنا ويوم علينا، وهي سنة الله تعالى في التدافع بين الناس، بصرف النظر عن قرب هذا الطرف من الحق أو بعده عنه، لأن لله تعالى حِكَمٌ كثيرة في صرف النصر وتأخيره عن فئة من البشر حتى وإن وفّرت شروط النصر كاملة، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمنح الغلبة لأصحاب الباطل - لحين - ويظهرهم على أهل الحق ليبتلي هؤلاء وينظر ماذا يعملون، وهذه الهزيمة في حد ذاتها منحة في صورة محنة، يمنحها الله لعباده ليراجعوا أنفسهم ويصححوا مسارهم فيستحقوا مدد الله وعونه، ويحافظوا على النصر الذي سيحرزوه فيما بعد.

أما مفهومنا الأعمق والأبعد والأصح للنصر والتمكين فلا يختص بالتمكين المادي على الأرض فحسب، بل يبدأ أولًا في النفوس، بالاستعلاء الإيماني {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] , ويمر ثانيًا عبر الثبات على المبادئ والاستقامة على النهج القويم الذي نؤمن به ونسعى إلى تجسيده على الأرض {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] ، ثم ثالثًا عبر جهاد متواصل وخالص لوجه الله تعالى، مهما كانت التضحيات والمحن التي سنلاقيها في الطريق {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِه} [الحج: 78] ، وأخيرًا وليس آخرًا، عبر التمكين لدين الله تعالى وإعلاء كلمته وإظهار شرعه على كل الشرائع.

تحطيم الحواجز المعنوية قبل المادية

من أجل الوصول إلى تحقيق ذلكم النصر، لابد من تعبيد الطريق، طريق الدعوة والجهاد، بإزاحة الكثير من الحواجز - المادية والمعنوية على حد سواء -، ومن أكبر هذه الحواجز وأعظمها، حاجز الخوف والهيبة من العدو، الذي يعتبر في حقيقة الأمر خوف من الموت وحرص على الحياة، وقد عالجنا هذا الداء في مقال مستقل. [1] ، والله تعالى يركز على هذا في قوله {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} ، فالمؤمن الحق لا يخاف إلا من الله وحده ولا يخشى غيره من العبيد لأنهم مرتبطون بالشيطان ليس إلا.

لقد وعدنا الله تعالى بالنصر على الأعداء، وبيّن لنا معالم الطريق الواجب اتباعها، كما بيّن لنا حقيقة هذا العدو، ومدى ضعفه وقزميته وعجزه عن مقاومة الحق فضلًا عن القضاء عليه {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] ، ويبقى علينا واجب الاتباع والانصياع لأوامره.

(1) أنظر مقال: الوهن: أعراضه ودواؤه - للكاتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت