فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 735

الصبر على المحنة والابتلاء،

ومواصلة الطريق رغم الجراحات والحرمان، ويتجلى ذلك في قوله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [1] .

قال ابن كثير في التفسير:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، قبل أن تُبتَلوا وتُخْتَبَروا وتُمتَحنوا كما فُعِل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال {وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} [2] وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب."

قال ابن عباس وابن مسعود وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، البأساء الفقر، الضراء السقم، وزلزلوا خُوِّفوا من الأعداء زلزالًا شديدًا وامْتُحِنوا امتحانًا عظيمًا {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} كما قال تعالى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [3] وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ولذا قال {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ، وفي حديث ابن رزين:"عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب"الحديث.

ويقول صاحب الظلال:"هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته، وهو خطاب مطرد لكل من يختاره لهذا الدور العظيم، إن هذا السؤال من الرسول ومن الذين آمنوا معه، من الرسول الموصول بالله عبر وحيه، والمؤمنين الذين آمنوا معه، إن سؤالهم {مَتَى نَصْرُ الله؟} ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب فتبعث منها ذلك السؤال المكروب (متى نصر الله؟) وعندها تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ، إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله وعندما يشاء الله، وحتى حينما تبلغ المحنة ذروتها فهم يتطلعون إلى نصر الله فحسب لا إلى أي حل آخر ولا إلى أي نصر آخر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله، بهذا يدخلون الجنة، مستحقين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان والصبر والثبات والتجرد لله وحده، والشعور به وحده وإغفال كل ما سواه وكل من سواه."

إن الصراع والصبر عليه يهب للنفوس القوة، ويرفعها على ذواتها ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء ويهب العقيدة عمقًا وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في عيون أعدائها وخصومها، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجًا كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين.

(1) البقرة - 214

(2) البقرة - 214

(3) الشرح - 5 - 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت