فهرس الكتاب
على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته، يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنها، وأن تنطلق من أسر الحرص والدعة والراحة التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء، كسب يرجع جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون، المؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته، وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف .. وهذا هو الطريق، هذا هو الطريق، إيمان وجهاد، ومحنة وثبات وابتلاء وصبر وتوجه إلى الله وحده، ثم يجيء النصر، ثم يجيء النعيم"اهـ."
فضلًا عن أن الصبر على المحن والابتلاءات يُعتبر محكًا للنفس وتقوية لها على تحمل أعباء الطريق، ويكون أيضًا مدعاة للصبر على مغريات الطريق والترفع عنها حفاظًا على هذه المبادئ التي ضحى من أجلها بالغالي والنفيس، وحينما يتم هذا الأمر فإن الطائفة المؤمنة تكون أهلًا لنصر الله وفتحه المبين، لأنها ستكون أمينة وحافظة لهذه المكتسبات وحريصة على دوامها وانتشارها بين الناس.
النفقة في سبيل الله بالمال
وهو دعامة أساسية يحتاجها الجهاد في كل مراحله، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] فقد قال ابن كثير:"ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ."
أما صاحب الظلال رحمه الله فيقول:"والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال ومركب القتال وزاد القتال .. لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، إنما ترك هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال وهذا ما تصنعه العقيدة حينما تقوم عليها النظم، إنها تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها، من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة الإنفاق في معظم المواضع، وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمون {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [2] ، والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف وبخاصة نظام يقوم على التطوع كما كان يقوم الإسلام، ثم يرتقي بهم من مرتبة الجهاد والإنفاق إلى مرتبة الإحسان {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ومرتبة الإحسان هي عليا المراتب في الإسلام وهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة، فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة وفي السر والعلن على السواء". اهـ.
ونحن اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالنفقة في أبواب الجهاد المتعددة والمختلفة، ومهما أحصينا من مواقع وميادين للدعوة
(1) البقرة - 195
(2) البقرة - 195