فهرس الكتاب
والجهاد فلن نستطيع أن نوفيها حقها كاملًا كما يطلب منا ربنا عز وجل، من أجل هذا وجب علينا تعويد النفوس وتربيتها على النفقة والتضحية ولو بالقليل ثم التدرج في ذلك حتى نحبب إليها فريضة الإنفاق في سبيل الله، فوالله ما أنفقنا شيئًا إلا ونجده يوم القيامة، ثم إن هذا الدين لا ينتصر بالأماني والكلام المعسول بقدر ما ينتصر بالتضحيات المادية والمعنوية التي يقدمها المؤمنون قربانًا لربهم جل وعلا.
ولا أقل من النظر إلى أعدائنا كم ينفقون من أوقاتهم وأموالهم بل حتى أنفسهم قربانًا لنصرة باطلهم والصد عن سبيل الله {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [1] .، فهل نرضى لأنفسنا أن نكون أقل منهم شأنًا في هذا المقام؟!!
التضحية بالنفس
في سبيل نصرة دين الله، ونجد ذلك في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} . [2]
وفي قوله عز من قائل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [3] ، يقول ابن كثير:"قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة نزلت في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربح البيع، فقال وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية."
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع صهيب. وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [4] ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} ، أما سيد - رحمه الله - فيقول في ظلاله:
"ويشري هنا معناها يبيع، فهو يبيع نفسه كلها لله، ويسلمها كلها لا يستبقي منها بقية، ولا يرجو من وراء أدائها وبيعها غاية إلا مرضاة الله، ليس فيها شيء وليس له من ورائها شيء، بيعة كاملة لا تردد فيها، ولا تلفت ولا تحصيل ثمن ولا استبقاء بقية لغير الله، والتعبير"
(1) الأنفال - 36
(2) التوبة - 111
(3) البقرة - 207
(4) التوبة - 111