فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 735

يحتمل معنى آخر يؤدي إلى نفس الغاية، يحتمل أن يشتري نفسه بكل أعراض الحياة ليعتقها ويقدمها خالصة لله لا يتعلق بها حق آخر إلا حق مولاه، فهو يضحي كل أعراض الحياة ويخلص بنفسه مجردة لله". [1] "

ونحن نقول: تعالوا ننظر إلى هؤلاء الذين يتحركون باسم الإسلام اليوم، ويرفعون لافتاته وشعار الجهاد والدعوة إلى الله، وهدفهم - كما يدعون - هو إقامة شرع الله في الأرض، أو بعبارة أخرى ينتظرون نصر الله، ونصر الله لا يأتي إلا وفق شروط لابد من توفيرها كما أسلفنا القول، امتحان وفتنة واختبار ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم بعد ذلك صبر واستعلاء بالإيمان وتحد للجاهلية مهما عظم كيدها واشتد بطشها، ثم عدم الانحناء لرياحها وضرباتها المتتالية، هل يا ترى يوفون بشيء من هذا حتى ينتظروا نصر الله؟ أم أنهم سقطوا في أحضان الطغاة وصبغوا أعمالهم بصبغة الإسلام زورًا وبهتانًا لكي يخدعوا الغافلين من أبناء الأمة، فينضموا إلى تجمعاتهم ويخمدوا نار الثورة والجهاد؟!

إن طريق الحق واضح وأسباب النصر معلومة ولابد من توفيرها في أنفسنا ابتداء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [2] فلابد من الصبر بلا انكسار ولا تذلل، واستعلاء بالإيمان بلا تكبر وخيلاء، وانتظار للفرج دون تواكل ولا يأس ولا ملل، وعندئذ يحق لنا أن ننتظر نصر الله والتمكين لدينه في الأرض {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [3] .

النصر غاية ووسيلة

فالزمرة المؤمنة لابد أن تحقق صفات الإيمان والتقوى والتوكل على الله تعالى والتجرد له تجردًا كليًا، واعتبار أن النصر وسيلة لعبادة الله والتقرب إليه قصد نيل رضاه، وليس غاية في حد ذاته نعبده من دون الله، حتى إذا فشلنا في تحقيقه انقلبنا على أعقابنا.

فالله تعالى يؤكد هذه الحقيقة في قوله تعالى {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) } وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا { (2) } فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [4] ، فالغاية من تحقيق النصر هو أن نمكن لدين الله في الأرض ليدخل الناس فيه فرادى وأفواجًا، وعلينا بعد تحقيق النصر أن نستغفر الله ونتواضع له ونتوب إليه سبحانه حتى لا يدخلنا العجب أو الرياء أو شيء من هذا فتضيع الغايات الأساسية من وراء النصر.

(1) في ظلال القرآن- سيد قطب رحمه الله

(2) محمد - 7

(3) النور - 55

(4) النصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت