يمكننا جمع هذه الصفات كلها في كلمة واحدة هي"أن ننصر الله"، كما يقول عز وجل: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [1] ، ونصر الله معناه تحقيق صفات الإسلام في ذواتنا والسير وفق شرع الله تعالى في كل حركة وسكنة.
كما نود تسجيل ثمة حقيقة جوهرية تبين الوقت الذي يجيء فيه النصر والحالة النفسية التي يكون عليها جند الله قبيل تحصيل النصر، نقرأ هذه الحقيقة في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [2] ، فانتصار الحق يفاجئ الجميع حتى المنتصر نفسه، وربما ليضيف إلى نشوة النصر نشوة أخرى إضافية ولتكون بالنسبة للمغلوب كالصاعقة تقصم ظهره وتهدم آماله وكل طموحاته، ولا يترك له فرصة لأخذ الحذر أو الاستعداد للصدمة المرتقبة، حكمة الله البالغة {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [3] .
نعم، إن النصر غاية سامية يسعى المؤمنون إليها من أجل أن يكون وسيلة لتعبيد الطريق أمام الناس للدخول في دين الله، وممارسة شعائرهم دون خوف ولا وجل، وبالتالي إزالة كل العقبات المادية التي تحول بينهم وبين هذا الدين.
ولا يمكن أن تتحول هذه الغاية إلى صنم يُعبد من دون الله يدفعنا إلى التنازل عن بعض ديننا لتحصيل الباقي، فهذا لا يستقيم مع طبيعة ديننا الحنيف، فهو لا يقبل أنصاف الحلول ولا أرباعها، فإما يكون الدين كله لله وحينئذ يكون هو النصر الحقيقي والتمكين الكامل الشامل لشرع الله، وإما يكون دين الطاغوت ولو قدموا لنا الكثير من المكتسبات وأوحوا لنا أننا حققنا نصرًا باهرًا وفتحًا مبينًا.
فكما أن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل سبحانه أن يكون معه شريك في الملك والأمر، كذلك شأن النصر، {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [4] ، وهذا هو النصر الحقيقي الذي نتوخاه ونقدم في سبيله الغالي والنفيس من دمائنا وأموالنا وأهلينا.
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [5]
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه إيمانًا واحتسابًا: أبو سعد العاملي - ربيع الأول - 1432 هـ.
(1) محمد - 7
(2) يوسف: 110
(3) العنكبوت - 26
(4) الأنفال - 39
(5) الحج - 40