ثانيًا: تحديات الحاضر الخارجية:
وهي كثيرة ومتنوعة لا بدَّ من الاهتمام بها ومحاولة فهمها وإدراك مراميها وغاياتها على مستقبل البلد وشعبه، فتونس رغم صغر مساحتها -وربما أيضًا قيمتها الظاهرة- لكنه يبقى هدفًا استراتيجيًّا لجهات كثيرة بحكم موقعه التاريخي والجغرافي، كما أن شعبه يبقى هدفًا عقائديًّا للقوات الصليبية الكافرة ولليهود على حدٍّ سواء، وهو إخراجه من دينه كما أخبر المولى عز وجل وهو أعلم بهم {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، من هنا يتعيَّن على أتباع الحق والهدى في تونس أن يفقه جيدًا أبعاد كل جهة على حدة، ويتعامل معها وفق ما يمليه عليه الشرع الحنيف؛ من ضرورة المفاصلة، وفضحٍ لهذه المخططات، وكشفٍ للمؤسسات التي ترتبط بها وتساهم في ترسيخ ثقافتها وقيمها في المجتمع التونسي المسلم.
-التأثيرات والأطماع الفرنسية
أطماع الفرنسيين قديمة وهي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي إبان الحملات الصليبية الجديدة على بلدان المغرب العربي، واعتُبرت تونس إقليمًا فرنسيًا عام 1881 ميلادي بعدما احتلت الجزائر عام 1830، حيث تقاسم كلٌّ من الإنجليز والفرنسيين والإسبان أغلب هذه الدول فاحتلوها بقوة الحديد والنار، وكانت تونس من نصيب الفرنسيين حينئذٍ، وقد عانى الشعب التونسي المسلم كثيرًا وضحَّى بالغالي والنفيس من أجل طرد هذا المحتل الصليبي من أرضه، وكان للمسجد وللوعي الإسلامي الدور الأكبر في دفع هذا المحتل وإخراجه من البلاد، ولكن المحتل الفرنسي الخبيث أعدَّ مجموعة من الأطراف السياسية التونسية، ربَّاهم على يده وأتاح لهم فرصة تشكيل حكومة صورية تابعة له، ليعلن ما يُسمى بالاستقلال الصوري المزيف عام 1957 برئاسة (بورجيلة) ، فسحب جنوده وعتاده ليُنصِّب مجموعةً من الخونة على رأس السلطة لتبقى تونس تابعة للسياسة الفرنسية كما هو شأن الجزائر والمغرب.
فظلت هذه الهيمنة والتبعية حاضرة بقوة خلال فترة حكم (بورقيبة) المقبور ثم بعده فترة (ابن علي) الهارب، وكانت هناك شراكة قوية جدًّا خاصة في المجال الاقتصادي والأمني، لأنَّهما السلاحان الرئيسيان اللذان ضُبطت بهما تونس وحُوصر بهما الشعب التونسي وكأنَّه في سجنٍ محكم الإغلاق.
فلا زالت هذه الأطماع حاضرةً وبقوة في أجندة السياسة الفرنسية الحالية، حيث تعتبر دائمًا بلدان المغرب العربي ضمن الدول الناطقة بالفرنسية والتابعة لها ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، ولا يمكن لفرنسا أن تفرِّط في بلد مثل تونس بسبب ما يتمتع به من مزايا عديدة لا زالت تسيل لعاب الفرنسيين، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وفي خضم طوفان الوعي الإسلامي الذي انطلق من جزائر الجهاد على أيدي تنظيم قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي،