إن سياسة الطغاة - على مر العصور- هو أن يسيطروا على الأوضاع في محيطهم، وخير وسيلة لتحقيق ذلك هو تشتيت الجموع من حوله لكي تضعف ولا تجتمع على رأي واحد من شأنه أن يهدد بقاءه. ولقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة التي استعملها فرعون مصر، والذي يعتبر نموذجًا وقدوةً لكل الفراعنة من بعده {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .
لقد كثرت الأحزاب وقدم لها الطغاة كل التسهيلات اللازمة لكي تكون طرفًا في اللعبة السياسية، وحدد لها مساحات وهوامش معينة لا يجوز تجاوزها، لكي تكون قانونية ومقبولة. بل إنها أصبحت طرفًا مباشرًا في الحكم والتشريع وسياجًا للطواغيت ضد غضب الشعوب.
في غياب المصلحين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، تظل هذه الشعوب عرضة للحرمان من أبسط حقوقها، سواء في التمتع بخيرات الأرض وأرزاقها، أو بالتعليم السليم والتوجيه الصحيح، انتهاء بالسكن المريح والدواء اللازم، كل هذه الأمور الأساسية تعتبر من المحرمات بل من المستحيلات أحيانًا. ذلك، لكي تظل هذه الشعوب رهينة للقهر والحرمان وأقصى ما ستفكر فيه هو الحصول على بعض هذه الحقوق، وقد تطول معركتها في سبيل نيل ذلك، وهذا ما يهدف إليه الطغاة، ليتسنى لهم تمرير مخططاتهم في الإفساد والاحتلال والاستغلال.
بالإضافة إلى الجهل والخوف والانحراف، وفي غياب المصلحين والقائمين على دين الله، تتحول الشعوب إلى مادة دسمة ليمارس عليها الطواغيت كل أشكال الاستغلال وكل أنواع التعذيب، فتتحول إلى مجرد قطعان من الغنم فقدت راعيها بين أفواه الذئاب. فما بالك حينما يكون الراعي هو الذئب نفسه؟؟ ..
أوذينا من قبل أن تأتينا
لقد دأب الفراعنة والطغاة على مر العصور على تعذيب شعوبهم - ماديًا ومعنويًا- من أجل ترويضهم على الطاعة والانقياد لأوامرهم وعدم الخروج على حكمهم وقانونهم، سياسة السيد مع عبده الذي لا تسول له نفسه عصيان أمر سيده في الحلم فضلًا عن الواقع، وهذا ما يصبو إليه الطغاة الظالمون من خلال تطبيق سياسة البطش والتعذيب والأذى لشعوبهم لأتفه الأسباب، كما يفرضون عليهم واجبات أكثر من طاقاتهم لكي يظلوا دومًا في متاهات البحث عن تلبية هذه الواجبات وتفادي العقوبات المترتبة على عدم الوفاء بذلك.