فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 735

في هذه الحالة يصعب على المصلحين إيجاد أرضية مناسبة للانطلاق نحو تحرير هذه الشعوب، فحينما تكون لدى هذه الأخيرة القابلية لقبول الظلم والصبر عليه وتحمله، فإنه من الصعب جدًا أن تكسبهم إلى صفك لتغير بهم الواقع المعاش.

لقد وصلت الشعوب إلى درجة الفسق و الاستخفاف الذي ذكره رب العزة في قوله تعالى {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينْ} ، وهي سياسة فرعونية، يسير عليها الفراعنة الجدد، لتثبيت عروشهم والحفاظ على قروشهم وتضخيم كروشهم، وذلك على حساب أعراض الشعوب ودينهم وأرزاقهم.

هذا بالإضافة إلى الحصار المضروب عليهم وعلى الدعاة من مغبة التقرب إليهم والتأثير عليهم وبالتالي قلب المعادلة التي يحرص الطغاة على الإبقاء عليها لصالحهم.

حرب متشعبة وطويلة الأمد يقودها الحكام المرتدون ضد الدعاة والمصلحين، وضد كل من يستجيب لدعوتهم وينضم لصفوفهم. حرب تأخذ أشكالًا مختلفة، تُستعمل فيها جميع الوسائل المتاحة من قِبل الطغاة، ليكسبوا أشواطها ولِيبُقوا على الحالة كما هي، ضلال وفساد واستغلال ثم كفر بالله عز وجل.

تتلقى هذه الشعوب شتى أنواع الأذى والحرمان من أبسط حقوقها، قبل ظهور الدعاة والمصلحين، فلا ذنب لهؤلاء إذن في عملية التعذيب والحرمان التي تتعرض لها هذه الشعوب، وهو دليل على النية المبيتة سلفًا من قبل هذه الأنظمة الحاكمة، وأن سياسة التهميش والحرمان تعتبر جزء لا يتجزأ من سياسة الحكم المتبعة.

لقد كانت بنو إسرائيل تعيش الهوان وتلقى شتى أنواع التعذيب والحرمان من قبل فرعون وجنوده، لقد استخفهم بهذه المعاملات القاسية المتواصلة حتى أطاعوه {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينْ} ، فلو لم يكونوا فاسقين لما أطاعوا فرعون فيما لا يرضي الله، هذا أولًا، أما ثانيًا: فإن بني إسرائيل أرادوا التغيير بالأماني والقعود، بدلًا من التضحية والحركة. وهذا هو مصير الشعوب الخائفة التي تخشى من المواجهة وتؤثر حياة الدعة والذل بدل حياة التقشف والكرامة.

ومن بعد ما جئتنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت