حينما يأذن الله فيخرج من رحم هذا الظلم والفساد من يريد الإصلاح والتغيير، كما خرج موسى من قصر فرعون، مركز الجبروت والاستكبار والطغيان، كذلك يخرج في كل حين من يبعثهم الله لمقارعة الفراعنة الجدد بمواجهة باطلهم وإزالة فسادهم.
حينما تقوى شوكة هؤلاء المصلحين ويبدءون في إيلام هؤلاء المفسدين وتهديد
مصالحهم وهدم أركانهم وزلزلة عروشهم، فإن هؤلاء الطواغيت يلجأون إلى أساليبهم المعهودة، وهي الانتقام من أهالي وأنصار هؤلاء المجاهدين، وهم أناس ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، نساء وأطفال وشيوخ، حيث يبدءون في نهب ثرواتهم وأرزاقهم، وحرق محاصيلهم وضرب الحصار عليهم لتجويعهم، محاولة منهم لصدهم عن نصرة الحق، والوقوف إلى جانب الطغاة في حربهم على المجاهدين.
أو يستعملون أسلوب الطرد من أعمالهم أو إغلاق محلاتهم ومشاريعهم التجارية وغيرها من مصادر أرزاقهم. أو يزجون بالشباب في السجون بعد محاكمات صورية ظالمة، لقضاء مدد طويلة وراء القضبان، محرومين من أبسط الحقوق الإنسانية، بل منهم من يلقى حتفه تحت وطأة التعذيب المتواصل.
كل هذه الأساليب وغيرها كثير، تدفع فئات من الشعب إلى التذمر والسخط، بعد أن ينفذ صبرهم، ومنهم من تنكسر إرادته وتخور عزيمته وينفذ صبره، فيتحول إلى عنصر خذل للحق، وينتمي إلى صفوف الباطل، لعله يتفادى هذه الضربات ويجود عليه أهل الباطل بكسرة خبز ملوثة ولحظة أمان مزيف ومؤقت.
فلا يكتفون بهذا، بل يتحولون إلى أبواق لأهل الباطل، يخذلون الناس ويثبطونهم، ويحوفونهم من مغبة نصرة أهل الحق وما سيلاقونه من بطش وانتقام على أيدي أولي الأمر إن هم تمادوا في مواقفهم المؤيدة للمصلحين والمجاهدين.
لقد انقسم الناس إلى قسمين رئيسيين، قسم خضع لهذه الضغوط فاستحب الحياة الدنيا على الآخرة، ورضا العباد على رضا رب العباد، واصطف إلى جانب الظالمين يأتمر بأمرهم وينتهي بنهيهم، لسان حالهم يقول {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} ، وقسم آثر ما عند الله ورضي بما عنده من متاع وأجر أخروي، فصبر وتحمل كل ما سيلاقيه من عنت وابتلاء، فانحاز إلى صفوف أهل الحق من الدعاة والمصلحين، ولسان حاله يقول {عَسَى رَبُكُمْ أن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْض فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونْ} .