وقال موسى بن معاوية: رحلت من القيروان وما أظن أحدًا أخشع من البهلول بن راشد، حتى لقيت وكيعًا، وكان يقرأ في رمضان في الليل ختمه، وثلثًا، ويصلي ثنتي عشرة من الضحى، ويصلي من الظهر إلى العصر.
وقال محمد بن زهير بن محمد: كان أبي يجمعنا في وقت ختمه للقرآن في شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات، يختم تسعين ختمة في رمضان.
وقال مسبح بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة.
وقال أبو بكر الحداد: أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قعدت عليه تسعا وخمسين، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة.
هذه هي بعض صور التابعين وتعاملهم مع كتاب الله في رمضان وغير رمضان، فكيف يا ترى سيكون حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لاشك أنه سيكون أعلى مرتبة وأكثر أهمية من تلك الصور التي عرضناها.
أما بالنسبة لنا معشر المسلمين في عصر الغربة والفتن، وفي عصر تمكن الباطل في كثير من المواقع حيث أهل الحق محاصرون يبحثون عن مخرج ليعيشوا في كنف شرع الله ويتخلصوا من براثن الكفر والردة من حولهم، لاشك أنهم سيكونون أكثر حاجة إلى كتاب ربهم، يعكفون عليه قراءة وتدبرًا وقيامًا في هذا الشهر الكريم، ويعاهدوا الله تعالى على الإقبال المخلص والتام على قرآنهم ينهلون منه ما يحتاجونه في مسيرة تغييرهم، وأنا على يقين أنهم سيجدون كل المقومات اللازمة والأسلحة المناسبة لخوض معاركهم المتعددة ليحققوا النصر والتمكين لدينهم.
فشهر رمضان هو شهر القرآن بلا منازع، فلنُقبل عليه بقلوب خاشعة وعقول واعية وسواعد قوية تنفذ أوامر ربها في الدفاع عن دينها وأعراضها، والمعركة تبدأ مع هذه النفوس المترددة نشحذ هِمَمَها ونُعِدُّها للمعارك القادمة، والقادم أدهى وأمرّ وأقسى على النفوس الضعيفة إن لم تتداركها رحمة ربها، ورحمة الله هي أن نعكف على هذا النبع الرباني الذي لا ينضب ولا تنقطع كنوزه لمن أقبل عليه بإخلاص وتجرد، وبنية التزود من أجل العمل والتضحية والفداء لهذا الدين العظيم.