فهرس الكتاب
الناس فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} ).
وسيد يقول في ظلاله: (ويشري هنا معناها يبيع، فهو يبيع نفسه كلها لله، ويسلمها كلها لا يستبقي منها بقية، ولا يرجو من وراء أدائها وبيعها غاية إلا مرضاة الله، ليس فيها شيء وليس له من ورائها شيء، بيعة كاملة لا تردد فيها، ولا تلفت ولا تحصيل ثمن ولا استبقاء بقية لغير الله، والتعبير يحتمل معنى آخر يؤدي إلى نفس الغاية، يحتمل أن يشتري نفسه بكل أعراض الحياة ليعتقها ويقدمها خالصة لله لا يتعلق بها حق آخر إلا حق مولاه، فهو يضحي كل أعراض الحياة ويخلص بنفسه مجردة لله) .
-ومن شروط النصر؛ الصبر على المحنة والابتلاء، ومواصلة الطريق رغم الجراحات والحرمان:
ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب} .
قال ابن كثير في التفسير: ( {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} ؛ قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} ، وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب، قال ابن عباس وابن مسعود وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم؛ البأساء الفقر، الضراء السقم، {وزلزلوا} ؛ خوفوا من العداء زلزالًا شديدًا وامتحنوا امتحانًا عظيمًا، {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} ؛ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، {ألا إن نصر الله قريب} ؛ كما قال تعالى: {فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا} ، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولذا قال: {ألا إن نصر الله قريب} ، وفي حديث ابن رزين:"عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم قريب ... الحديث") .
ويقول صاحب الظلال: (هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته، وهو خطاب مطرد لكل من يختاره لهذا الدور العظيم، إن هذا السؤال من الرسول ومن الذين آمنوا معه، من الرسول الموصول بالله عبر وحيه، والمؤمنين الذين آمنوا معه، إن سؤالهم؛ {متى نصر الله} ، ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على