أما صاحب"الظلال"رحمه الله فيقول: (والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال ومركب القتال وزاد القتال ... لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، إنما ترك هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال وهذا ما تصنعه العقيدة حينما تقوم عليها النظم، إنها تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها، من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة الإنفاق في معظم المواضع، وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمون؛ {وأنفقوا في سبيل الله ... الآية} ، والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف وبخاصة نظام يقوم على التطوع كما كان يقوم الإسلام، ثم يرتقي بهم من مرتبة الجهاد والإنفاق إلى مرتبة الإحسان، {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ؛ ومرتبة الإحسان هي عليا المراتب في الإسلام، وهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة، فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة وفي السر والعلن على السواء) اهـ.
-ومن شروط النصر أيضًا؛ التضحية بالنفس في سبيل نصرة دين الله:
ونجد ذلك في قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون} ، وفي قوله عز من قائل: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} .
يقول ابن كثير: (قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة؛ نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له:"ربح البيع"، فقال:"وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟"، فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية.
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:"ربح البيع صهيب"، وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} ، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين؛ أنكر عليه بعض