كل آن، حسبنا أن تكون أعمالنا موافقة لشرع ربنا، بلا إفراط ولا تفريط، ولسنا مطالبون ولا محاسبون على النتائج بقدر ما نحن مطالبون ومحاسبون على المنهج الذي نسير عليه.
فلكل أجل كتاب وكل شيء عند الله بقدر، فالنصر من عنده سبحانه يؤتيه ويمنحه لعباده بأجل وقدر، وبعد أن يوفروا شروط النصر في نفوسهم وواقعهم حتى لا تذهب ثمار هذا النصر سدى فيكون ذلك منفذًا للشيطان إلى نفوس العباد فيرخص هذا الدين في قلوبهم وتخبو هيبة المجاهدين في أعينهم، ويجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا.
كما أن الجهاد بالنفس والمال عبارة عن صولات وجولات، وحلقات في سلسلة طويلة من عمر هذه الدعوة، فالحرب الدائرة بين الحق والباطل تتألف من مجموعة معارك ومحطات متتالية، أو بالمعنى القرآني الصحيح {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران] ، فلابد أن يمسنا القرح والجرح ونلقى جميع صور القتل قبل التمكين النهائي، وفي الطريق يختار الله منا شهداء، وهي منحة أخرى إلى جانب منحة النصر والتمكين، وقد ذكرها الله تعالى ونوه بها قبل التنويه بنعمة النصر، {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين} [الصف:10 - 13] ، فإنفاق النفس والمال في سبيل الله ثم الفوز بالجنة سماه الله تعالى بالفوز العظيم، أما النصر والتمكين فأشار إليه سبحانه في المقام الثاني {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب} .
فقط لنذكر بأهمية وضرورة إخلاص النية في فريضة الجهاد وابتغاء الشهادة في المقام الأول، أما النصر فيكون ثمرة ونتيجة يعطيها الله لعباده متى شاء والنصر يكون مقرونًا دائمًا بإعلاء كلمة الله والتمكين لدينه، وهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
أو كما قال رب العزة في وصفه للذين آمنوا {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا} [النساء:76] .