فهرس الكتاب
الكثير منها جزء من الكيان السياسي، وطرفا مباشرًا في الحكم والتشريع، - وفق أسس الديموقراطية - حتى وإن كانت في موقع المعارضة الصورية - كما يزعمون-.
فنحن نعلم أن الديموقراطية لا قيمة لها ولا معنى بدون ما يسمى بالمعارضة، فسواء كانت هذه الجماعات طرفًا مباشرًا في الحكم أو طرفًا من المعارضة، فهي من الناحية الشرعية آثمة بمشاركتها في الحكم والتشريع. بمجرد جلوسها في هذه المجالس التشريعية حيث الأغلبية تكون دائمًا للمرتدين وكلمة الفصل لهم في جميع القرارات والتشريعات، حتى وإن حصل هؤلاء الإسلاميون على أغلبية مريحة - كما يقولون - في هذه المجالس التشريعية، فإنهم سيجدون أنفسهم أمام العقبة الكبرى وهي إرادة الملك أو الرئيس أو المجلس الأعلى أو غيرها من الأصنام والآلهة التي لها كلمة الفصل ولها الأمر من قبل ومن بعد - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [1] .
إن الديموقراطية وسيلة ناجعة لهذه الأنظمة الحاكمة ولأسيادهم الكفار، لإدخال هذه الجماعات في حظيرة الجمود أو التيه، وتجريدها من كل عناصر المقاومة والقوة، بل توريطها في مسلسل الحكم لتغرق في متاهات لا أول لها ولا آخر، وتتحول إلى مجموعة من الدجالين السياسيين، يقولون فلا يفعلون، ويَعِدُون فلا يُوفُون، لا لشيء إلا بسبب غياب الوسائل وعدم امتلاك زمام الأمور.
وهكذا تتحول الديموقراطية إلى ورطة حقيقية ومأزق محرج لهذه الجماعات، فينقلب سحرها عليها، وتؤتى من الجهة التي كانت تظن أنها الوسيلة الأنجع والأسلم والأسرع لتحقيق مآربها وأهدافها الشرعية. ويأبى الله إلا أن يبين لهؤلاء أن طريق الحق أرفع وأشرف وأسمى من هذه السفاسف، طريق لابد فيه من بلاء وعنت وتضحية وفداء، بالغالي والنفيس، بل بأغلى ما يملكه البشر {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [2] .
والأغرب من هذا كله، أننا نجد بعضًا من هذه الجماعات تقاتل في سبيل هذه الديموقراطية وفي سبيل ترسيخها وجعلها الحَكَمُ بينها وبين الشعوب، بدلًا من القتال في سبيل الله وإحقاق الحق عن طريق الجهاد.
فمن خلال ما سبق استطاع الطغاة أن يحققوا هدفين وغايتين عظيمتين في نفس الوقت، الأولى احتواء هذه التيارات الإسلامية وجعلها تحت مجهرهم، يحسبون تحركاتهم ويورطونهم في خدمة أهدافهم دون أن يشعروا، بل إنهم يحسبون أنهم يخدمون الإسلام والمسلمين، وقد طالت هذه الخديعة الكثير ممن كانوا بالأمس القريب يجهرون بفضح الديموقراطية ونعتها بالكفر ووصف كل من يرضى بها ويقبلها بالانحراف عن الدين وربما وصلوا إلى تكفيره، لكننا نجد هؤلاء اليوم في صف الطواغيت، وبقدرة قادر، أصبحت الديموقراطية وسيلة مقبولة بل شرعية لتطبيق الإسلام في المجتمع.
(1) النساء:140
(2) التوبة:111