فهرس الكتاب
ينبغي تجاوزها أو الخروج منها، وهو دين الملك كما سماه رب العزة. فكيف يمكننا قبول هذه الشروط لنقزِّم ديننا ونشوهه فينطبق علينا قول ربنا عز وجل {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين} [1] .
حينما تكون لدينا الحرية في مجال الدعوة فتزول العقبات المادية والمعنوية التي تحول بيننا وبين الناس لنوصل لهم عقيدة التوحيد كما أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمكننا القول بأننا قد حققنا مكسبًا سياسيًا معتبرًا.
ويمكننا القول بالتالي أننا اقتربنا من بلوغ أهدافنا السياسية وهي تبليغ رسالة الإسلام كاملة غير ناقصة ولا محرفة كما تفرض علينا القوانين الوضعية ذلك.
نعم، إن المشاركة السياسية وفق المفهوم والشروط التي يفرضها المشرع الوضعي تعتبر موالاة للباطل ولمن حاد الله ورسوله، ولا ينبغي أن نتحرج أو نلوي أعناق النصوص الشرعية لكي تتوافق مع أهوائنا فنكذب على الله وعلى أنفسنا، ونوهمها بأننا نحقق مكاسب للإسلام ونحن على العكس من ذلك.
الأمثلة من الواقع أكثر من أن تُحصى، والتجارب التي خاضها بعض المسلمين في هذا المجال تعتبر أحسن جواب وخير دليل على صحة ما ذهبت إليه، حيث لم يحصدوا سوى السراب ولم يحققوا أدنى مكسب لدينهم بل على العكس، ولا داعي لأن نكرر التجارب الفاشلة بنفس الوتيرة.
والبعض الآخر اضطر إلى تغيير اسمه، وإزالة كل ما هو إسلامي - ظاهرًا وباطنًا - ليلقى القبول لدى الأنظمة الحاكمة، بل إنهم أصبحوا أكثر علمانية من العلمانيين أنفسهم وأكثر ليبيرالية من الليبيراليين أنفسهم، وأكثر ديموقراطية من الديموقراطيين أنفسهم، كل هذا ليشاركوا في هذه اللعبة السياسية إلى جانب بقية الأحزاب القائمة - وأغلبها مرتدة -. [2]
والبعض الآخر أراد أن يُبقي على جوهر الإسلام ويرفع شعاراته وادعاء الخضوع لتعاليمه فيما يتعلق بالمجالات الأخرى غير السياسية، وفي الوقت ذاته يرضى بحكم الطاغوت فيما يتعلق بالجانب السياسي، وهي معادلة يستحيل على المرء تحقيقها، إذ كيف يمكن للمسلم أن يجمع بين النقيضين في آن واحد، خاصة إذا تعلق الأمر بمسائل الحكم والتشريع. فإما حكم الله وإما حكم الطاغوت، فليس بينهما التقاء {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَل} [3] .
وفي نهاية المطاف نرى تورط هذه الجماعات وسقوطها في فخ العدو، الذي يريد أن يصل إلى ضبط الساحة والتحكم في كل الخيوط، حتى تكون جميع الأطراف المتحركة في ساحة العمل السياسي بعامة وفي ساحة العمل الإسلامي بخاصة، تحت مجهره، لكي يضبط كل حركاتها وسكناتها، هذا بالإضافة إلى المكاسب الكبيرة التي تحصل عليها الأنظمة الحاكمة من جراء التنازلات المتواصلة لهذه الجماعات، حتى لقد أصبح
(1) سورة الحجر:91 - 92
(2) انظر على سبيل المثال ما حصل في تونس وتركيا والجزائر والمغرب.
(3) يونس:32