فهرس الكتاب
كانت هاتين الغزوتين بمثابة حدث العصر ويمكننا القول بأنها كانت أضخم وأكبر عملية عبر التاريخ كله على جميع المستويات بدون استثناء، لأن انعكاساتها كبيرة ومتنوعة وشملت ميادين شتى، واستطاعت أن تحقق الكثير من مطالب المجاهدين وكذلك مطالب الأمة بأقل التكاليف.
جاءت هذه الغزوة استباقية بعدما علم المجاهدون في أفغانستان بأن الأمريكان يعدون العدة لضربهم هناك، فكانت مباغتة في تنفيذها لم يكن العدو يتوقعها أن تُنفذ أبدًا بهذه الطريقة، وهذا ما يجعلها تستحق أن تكون غزوة العصر بلا منازع.
كما أنها كانت أكبر صفقة مع الله عز وجل، تجاوزت الأرباح فيها كل التوقعات المحتملة لدى المسلمين، كما تجاوزت الخسائر لدى العدو كل توقعاته هو الآخر.
ومن هنا نفهم وندرك لماذا فقد العدو أعصابه ولم يستطع تحمل الصدمة لكي يعد العدة وينظر في عواقب ما سيقدم عليه من عمل عسكري تجلى في قصف أفغانستان عن طريق الجو بكثافة لم يسبق لها مثيل، وأعقبها بعد ذلك إنزال عسكري مكثف على الأرض للجنود الأمريكان معززًا بحلفائه من حلف الناتو ودول أخرى مستقلة، كلهم جاءوا ليستأصلوا ما تبقى - في نظرهم - من فلول القاعدة وطالبان، ولكي يأسروا قيادات المجاهدين وعلى رأسهم الشيخ أسامة بن لادن والملا محمد عمر.
لقد أعماهم غرورهم فظنوا أن المسألة ستكون رحلة قصيرة ومهمة خاطفة سيأسروا أو يقتلوا خلالها رؤساء الإرهاب ويرسوا نظامًا"ديموقراطيًا"عميلًا يقوم على رعاية مصالحهم وتنفيذ أوامرهم في أفغانستان الجهاد والصمود.
لم يكن بإمكان أحد أن يتوقع ما سيحصل على الأرض، بل إن أغلب المحللين والمتابعين حتى من المتعاطفين مع المجاهدين أنفسهم، ظنوا أن الضربة ستكون قاصمة هذه المرة ولن يستطيع المجاهدون القيام بعدها أبدًا، ومن منطلق المقاييس المادية الظاهرة قد يكون لديهم بعض الحق بسبب التفاوت الكبير بين معدات كل طرف، وهذا ما دفع بالأمريكان وحلفائهم أن يركبهم غرور زائد وثقة بالنفس فوق اللزوم، دفع بهم إلى مغامرة بدء المعارك البرية على أراضي أفغانستان الملغومة بالألغاز والمفاجآت.
طالبان والقاعدة: الانسحاب المقنن والحكيم
لم يكن أمام مجاهدي طالبان والقاعدة سوى الانسحاب من المدن ومن قواعدهم بسبب عدم تكافؤ الأسلحة بينهم وبين أحزاب الصليب، فقد كان القصف الجوي أحد أهم الأسلحة التي يستعملها الأمريكان وحلفائهم، وكانت الخسائر كبيرة وعظيمة في صفوف المدنيين العزل، مما دفع بقيادة طالبان والقاعدة أن تأمر جنودها بالانسحاب والخروج من كل المدن وإخلائها حفاظًا على أرواح المدنيين من جهة، ومحاولة جر العدو إلى المعارك البرية من جهة أخرى.