فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 115

عظيم، إذ في نزعه لملابسه المعتادة، انتزاع لما ألفته نفسه من شهوات وملذات. ومن قدر على الخروج عن المعروف والمألوف المباح، طاعة لمن قصد بيته ولبّى داعيه، فطاعته سبحانه وتعالى في الخروج عن المعاصي والمنكرات أوجب وأحرى.

وفي باب محظورات الإحرام، تزكية للنفس وتهذيب للسلوك، إذ أنها قائمة متعددة من الممنوعات والمحرمات، ينتظم كثير منها في سلك الترفه والارتفاق والتنعم، كحلق الشعر، وقلم الأظفار، والطيب، وتغطية الرأس. فكان الشعث ( [56] ) والتفل ( [57] ) ، شعارًا للحاج، فالمحرم هو الأشعث الأغبر. وقد سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الحاج، فقال: «الشعث والتفل» ( [58] ) . وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يُباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْثًا غُبْرا» ( [59] ) . فإذا كان المحرم يستجيب طائعًا مختارًا، فيمتنع عن هذه الأمور التي فيها ترفيه جسده، وتجد النفس السوية فيها شهوة ولذة، وهي في الأصل من المباحات، والأمور الطيبات. فنفسٌ قويت على ذلك فترة من الزمن، لهي أقدر بعد ذلك على كبح جماح شهواتها في المحرمات، والأمور المنكرات، التي لا تخلو من المفاسد المترتبة على الفرد والجماعات.

ولا ريب أن الجماع يحتل الجانب الأعلى، وله النصيب الأوفر في الترفه والتنعم. وقد أودع الله - عز وجل - في النفس البشرية، غريزة الشهوة والميل إلى النساء لحِكم ومصالح - ليس هذا مقام بيانها - لكنه سبحانه هذّب مسارها، وكبح جماحها، فبيّن ما يحل لها وما يحرم عليها.

وكان من أعظم أسباب انحراف كثير من الناس عن جادة الصواب، وسلوكهم سبيل الغواية، واستمراء المحرمات، شهوة الفرج. لذا حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من فتنة النساء، وبين أنها من الفتن التي أهلك الله بها الأمم السابقة، فقال - صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» ( [60] ) . وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء» ( [61] ) . وأوضح أن هلاك كثير من الناس، بسبب عدم حفظهم فروجهم عما حرمه الله عليهم، وأن من أراد النجاة لنفسه، والسلامة لدينه حفظ فرجه عما حرمه الله عليه. فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ يضمنْ لي ما بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت