المطلب الثاني:
أثر الجماع بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل الأول، على الفدية
اتفق العلماء - رحمهم الله - على وجوب الفدية على من جامع بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل الأول، لانتهاكه حرمة الإحرام، وارتكابه المحظور قبل التحلل من الإحرام.
واتفقوا كذلك على أن الواجب عليه بدنة.
أما أصحاب المذاهب الثلاثة، فلأنه بارتكابه هذا المحظور، قد أفسد حجه، فغلظت عليه الفدية، كالجماع قبل الوقوف بعرفة ( [258] ) .
وأما أبو حنيفة، فلتفريقه بين الجماع قبل الوقوف بعرفة، وبعده، فالجماع قبل الوقوف مفسد للحج، وفيه شاة، وأما الجماع بعد الوقوف، فهو غير مفسد للحج، وفيه بدنة ( [259] ) .
وحجة الجمهور في إيجاب البدنة في الفدية على من أفسد حجه بالجماع، سواء قبل الوقوف بعرفة أو بعده، قد مضى تقريرها في المبحث السابق.
أما حجة أبي حنيفة في إيجاب البدنة بالجماع بعد الوقوف بعرفة، فهي ما يلي:
أثر ابن عباس - رضي الله عنهم - أنه قال: (( إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، فسد نسكه، وعليه دم. وإذا جامع بعد الوقوف، فحجته تامة، وعليه بدنة ) ) ( [260] ) .
وما روي عنه - رضي الله عنهم - أنه قال: (( لا تجب البدنة في الحج إلا في موضعين: من جامع بعد الوقوف بعرفة، ومن طاف طواف الزيارة جنبًا ) ) ( [261] ) . وقالوا في الاستدلال بهما من وجهين:
إنه لم يُعرف له مخالف، فكان إجماعًا ( [262] ) .
وإن مثل هذا لا مدخل للرأي فيه، فكان له حكم الرفع ( [263] ) .
وقول ابن عباس - رضي الله عنهم - وقد سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض. فأمره أن ينحر بدنة ( [264] ) .