وقال القرطبي: (( قال الفقهاء: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه. وقال الفراء: هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده. ذكر القولين ابن العربي - رحمه الله - قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه، لا بعده. قال الحسن: الحج المبرور هو، أن يرجع صاحبه زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة ) ) ( [50] ) .
فالمتأمل لهذه العبادة الجليلة، وما رتّبه الله من هذا الأجر العظيم، لمن قام بأدائها كما أمر الله تعالى، ممتثلًا أوامره مجتنبًا نواهيه ومحظوراته. من الرفث، والفسوق، والجدال. يلحظ أنها تنتظم مع غيرها من العبادات التي شرعها الله تعالى لحكم جليلة وفوائد كثيرة، قد ندرك بعضها، وقد يخفى علينا كثير منها.
ومن أعظم ما شُرعت له العبادات، تحصيل تقوى الله، التي هي سبيل السعادة في الدنيا، والنجاة في الآخرة. كما قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} ( [51] ) .
ففي الصلاة يقول الله تعالى: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ( [52] ) . وقال سبحانه وتعالى في الزكاة: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ( [53] ) . وفي مشروعية الصيام يقول جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ( [54] ) .
وفي الحج أيضًا تحصيل لهذه التقوى، لأن فيه تزكية للنفوس، وتهذيب للأخلاق، ومدافعة لحظوظ النفس وشهواتها، وكبح لها عما ألفته أو اعتادت عليه، من متع وملذات قد تتجاوز عند كثير من الناس الحد المعروف والمألوف إلى حدّ الممنوع والمحظور.
فجاءت هذه العبادة بمناسكها المتعددة، وشرائعها المختلفة، لتُذكّر الإنسان بعبوديته لربه - عز وجل -، وإقباله عليه، يلهج بذكره، ويرفع صوته بالتلبية التي هي شعار إيمانه وتوحيده لله - جل جلاله -، كما في حديث جابر - رضي الله عنه -"فأهلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ( [55] ) . وفي تجرده عند إحرامه من ملابسه المعتادة، ولبسه إزارًا ورداءً أبيضين، فيه من الحِكَم والعظات، لمن وفقه الله، شيء