معرضًا عن كافة مساخط الله وحدوده، مظهرًا كمال الافتقار لله، والحاجة إلى ما عنده: من عفو، ومغفرة، ورضوان، ورحمة ...
فجملة {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} جملة خبرية. تنفي وقوع هذه الأمور من الحاج أثناء الحج ( [27] ) ، وليس المراد بهذا النفي، نفي الوقوع الفعلي من الناس، وإنما المراد بذلك، نفي الإذن الشرعي بوقوعها ( [28] ) . وهذا النفي متضمن نهي الحاج وتحذيره من الوقوع في شيء منها، وأن هذه الأمور المذكورة محرمات، يجب على الحاج اجتنابها أثناء حجه وإحرامه. قال ابن عبد البر: (( قال مالك: الرفث إصابة النساء. فحرام على المحرم وطء النساء. ومن أحرم بحج أو عمرة، فليس له أن يطأ امرأته ولا يتلذذ منها بشيء ) ) ( [29] ) .
ومن هذه المحظورات، والأمور المحرمات في الإحرام: الرفث. والمراد به في الحج: الجماع، ومقدماته.
قال ابن عبد البر: (( الرفث في هذا الموضع: الجماع عند جمهور أهل العلم بالتأويل القرآن ) ) ( [30] ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( الرفث: اسم للجماع قولًا وعملًا ) ) ( [31] ) .
-... أما السنة:
فقد دلّ على تحريم الجماع في الإحرام، أحاديث منها:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق ( [32] ) ، رجع كيوم ولدته أمه» ( [33] ) .
وجه الاستدلال من الحديث على تحريم الجماع:
دلالة هذا الحديث على تحريم الجماع ظاهرة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - علّق هذا الأجر العظيم، وهو خروج المرء من ذنوبه كيوم ولدته أمه، على من حج فلم يرفث. فدلّ ذلك على أن من وقع أو حصل منه الرفث، حُرِم هذا الثواب الجزيل. وفوات هذا المغنم، إنما هو نوع من