وقد قصر قوم القياس على المؤثر لأن الجزم بإثبات الشارع الحكم رعاية لهذا المناسب تحكم إذ يحتمل أن يكون الحكم ثبت تعبدا كتحريم الميتة والخنزير والدم والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع مع إباحة الضب والضبع
ويحتمل أن يكون لمعنى آخر مناسب لنا ويحتمل أن يكون للإسكار فهذه ثلاث احتمالات فالتعيين تحكم بغير دليل ووهم مجرد مستنده أنه لم يظهر إلا هذا وهذا غلظ فإن عدم العلم ليس علما بعدم سبب آخر وبمثل هذا القول بطل القول بالمفهوم وهذا لا ينقلب في المؤثر فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصا أو إجماعا
قلنا لا يصح ما ذكروه لوجهين
أحدهما أنا قد علمنا من أقيسة الصحابة رضي الله عنهم في اجتهاداتهم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بنص أو إجماع
والثاني أن المطلوب غلبة الظن وقد حصل فإن إثبات الشرع الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له وهذا الاحتمال راجح على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب منكري القياس كما في المؤثر فإن العلة إذا أضيف إليها الحكم في محل احتمل اختصاصها به وبه اعتصم نفاة القياس لكن قيل لهم علم من الصحابة اتباع العلل واطراح التعبد مهما أمكن فكذا ههنا ولا فرق
وقولهم يحتمل أن ثم مناسبا آخر فهو وهم محض وغلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم ويعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطل الظن ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس فإن المؤثر إنما يغلب على الظن لعدم ظهور الفرق ولعدم ظهور معارض وصيغ العموم والظواهر إنما تغلب على الظن بشرط انتفاء قرينة مخصصة لو ظهرت لزاد الظن وإذا لم تظهر جاز التعويل عليه ولم يظهر لنا من الصحابة إلا اتباع الرأي الأغلب ولم يضبطوا أجناسه ولم يميزوا جنسا عن جنس فمهما سلمتم غلبة الظن وجب اتباعه