فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 166

وقد أشكل على كل من د. محمد رجب بيومي، ود. محمد إبراهيم شريف هذه القضية في كلام د. محمد عبد الله دراز - رحمه الله تعالى -؛ فالدكتور البيومي استبعد إمكانية أن يكون للسورة غرض واحد، وانتقد د. دراز لقوله بذلك، فقال:"وقد أتاح د. دراز لكل مبتدئ أن يعمد إلى سورة فيختار بعض عناصرها المتقاربة، ويهمل ما لا سبيل إلى انضمامه، ثم يخرج على الناس برأي يهتف بوحدة الموضوع في السورة القرآنية (1) . وأقول: إن الاجتهاد لإدراك الوحدة الموضوعية في سور القرآن لا يتسنى إلا للعلماء المتخصصين، والدكتور دراز - رحمه الله - لم يقل ولم يدع المبتدئين إلى النظر في الوحدة الموضوعية في سور القرآن."

وأما الأمر الآخر، فقد خطأ بيومي - الذي استنبط من كلام دراز أن الروح العام الذي يسري في آيات السورة هو وحدة موضوعية - وحاول الدفاع عنه بقوله: «إن د. دراز لا يعني بالروح العام أو بالوحدة العضوية في السورة أن للسورة غرضا واحدا، بل عمله في ذلك ليس إلا البحث عن إطار للسورة بجميع آياتها» (2) . إن الفكرة ليست من ابتكار دراز حتى يحرف كلامه، أو يفهم على غير وجهه، بل هي فكرة أصيلة في تاريخ الدراسات القرآنية. إن دراز يؤكد على الوحدة الموضوعية في سور القرآن، ويقيم البحث فيها على أسس منهجية، لقد امتاز عمله بالدقة والضبط، والتطبيق المنهجي على بعض السور!! يقول - رحمه الله - مؤكذا هذا المعنى:

«إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة، يحسبها الجاهل أضغاثا من المعاني حشوت حشوا، وأوزاعا من المباني جمعت عفوا، فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل فصل منها شعب وفصول، وامتدّ من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول: فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة: لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق؛ بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامّ والالتحام. كل ذلك بغير تكلّف ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة، ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلا، والمختلف مؤتلفا

ولماذا نقول إن هذه المعاني تتسق في السورة كما تتسق الحجرات في البنيان؟ لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان: فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من

(1) انظر: المرجع السابق، ص 520 - 527. نقلا عن محمد رجب بيومي. البيان القرآني.

(2) انظر: المرجع السابق، ص 521.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت