فهرس الكتاب
هذا الاختلاف يرجع - في الغالب - إلى عدم إدراك المناسبات بين آيات السورة الواحدة ومقاطعها. يقول د. محمد عبد الله دراز - رحمه الله: والواقع أنه قد يصعب في بعض السور التمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الثانوية، أو اكتشاف العلاقة بين هذه الأفكار ببعضها، أو بينها وبين النواة المركزية للسورة. وقد تجهل حتى الظروف التي استدعت التجميع بينها في سورة واحدة. ومن المفهوم أن تركيز عبارات القرآن الكريم، وجزالة معناها قد تترك بين كل جزء وآخر نقاطا للوصل، وعديدا من الخيوط الإرشادية، مما جعل المفسرين يختلفون في الربط بين هذه الأجزاء (1) .
وقد أكد الفراهي من قبل مثل هذا المعنى، فقال: وإنك ترى في السورة الواحدة مطالب شتى، ولا تعلم ما هو العمود الذي سيق إليه المعاني، ولن تهتدي إلى معرفة اتصال الكلام بعضه ببعض دون معرفتك بمساق الكلام، ووجهته التي تسلك إليها أجزاؤه، حتى تراها منظومة في سلك واحد. وبالجملة، فالنظام هو الذي يعطي السورة وحدانيتها التي بها صارت سورة كاملة مستقلة بنفسها، ذات عمود تجري إليه أجزاؤها (2) . والفراهي - رحمه الله - يعترف بأن استخراج العمود صعب جدا.
ومن هنا يتطلب البحث في وحدة الموضوع في السورة جهدا ليس بالهيّن. وعلى هذا ندرك أن الكتابات التي حاولت جمع أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن بالاعتماد على أقوال العلماء تارة، وتارة بنظرات جزئية هي في الغالب توصيف لمضمون السورة - عمل يحتاج إلى إعادة نظر.
وقد رأيت الشيخ محمد محمد المدني - رحمه الله - قد أحسن صنعا في دراسته لسورة النساء، حيث تبيّن أن السورة قد تضمنت أمورا كثيرة تتعلق بتنظيم جماعة المسلمين في داخل بلادهم، وفي علاقاتهم الاجتماعية بعضهم مع بعض، وفي وضع أسس الحكم الصالح الذي يجب أن تقوم عليه دولتهم، وفي وجوب الحذر من الذين يريدون أن يزلزلوا عليهم هذه الدولة. ثم قسم السورة إلى قسمين؛ الأول: يتضمن المبادئ والتوجيهات التي أقامت عليها السورة نظام المجتمع. والقسم الثاني: يتضمن الأحكام التي شرعتها السورة لهذا المجتمع، وبيان ملاءمة كل منها لحكم الفطرة. فكان موضوع السورة تنظيم المجتمع الإسلامي (3) . وهذا لا يعني أن سورا أخرى لم تعن بقضايا تنظيم المجتمع.
(1) دراز، مدخل إلى القرآن، مرجع سابق، ص 122.
(2) الفراهي، دلائل النظام، مرجع سابق، ص 76.
(3) محمد محمد المدني، المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء (بلا تاريخ) ، مطبعة مخيمر، مصر، انظر ص 29 - 43.