فهرس الكتاب
وقد جرى سيد - رحمه الله - على أن هذه الموضوعات وإن تعددت في كثير من السور المكية، إلا أن أسلوب العرض يختلف من سورة إلى سورة، يقول في تقديمه لسورة القمر:
«ومحتويات السورة الموضوعية واردة في سور مكية شتى. فهي مشهد من مشاهد القيامة في المطلع. ومشهد من هذه المشاهد في الختام. وبينهما عرض سريع لمصارع قوم نوح. وعاد وثمود. وقوم لوط. وفرعون وملئه.
وكلها موضوعات تزخر بها السور المكية في صور شتى ..
ولكن هذه الموضوعات ذاتها تعرض في هذه السورة عرضا خاصا، يحيلها جديدة كل الجدة» (1) .
وعلى هذا، يصبح المميز للسورة هو أسلوبها أو طريقة عرضها، وليس موضوعها، ومن ثم، لا يمكن الاعتداد بالوحدة الموضوعية في السور، وهذا أمر يصعب قبوله بالنسبة إلى استقلالية كل سورة بوحدتها الموضوعية. وأما القول بأن السور المكية موضوعها العقيدة بعناصرها المتعددة، ففيه من التعميم والسطحية وانعدام شخصية كثير من السور ما لا يتفق مع حقيقة نظام السورة، ثم، هل خلت السور المدنية من الحديث عن موضوع العقيدة؟! كلا، فلو كان ذلك كذلك، لخرجنا بأن أكثر من سورة مقصدها الأعظم تقرير الوحدانية، وأكثر من سورة هدفها تقرير النبوة، وأكثر من سورة موضوعها الرئيس البعث والمعاد؛ إن هذه المقاصد الثلاثة، هي مقاصد القرآن الكريم كله، وليس الأمر مقصورا على أغلب السور المكية. وقد بين الرازي - رحمه الله - أن مدار القرآن على أربعة مسائل: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، والقضاء والقدر، وكثيرا ما يقرر الرازي المسائل الثلاث الأول، وأن عليها مدار القرآن الكريم كله (2) . هذا هو الذي يحتاج إلى مراجعة طويلة في منهج سيد قطب - رحمه الله - في تقريره للوحدة الموضوعية.
ثانيا: وهذه النقطة تابعة للسابقة، وهي تَشَابُه سور معدودة في موضوعها وطريقة عرضها وإيقاعها، هذا ما ذكره سيد في تقديمه لسورة هود، حيث قال: إنها شديدة الشبه بسورة الأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا (3) .
ويقول - رحمه الله: والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وتلكما في الموضوع، وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك! فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها، وتواجه الجاهلية بها، وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورا، وعبادة وعملا. بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض وقصتها في مواجهة
(1) سيد قطب؛ في ظلال القرآن (1977) ، دار الشروق، بيروت (6/ 3424 - 3425) .
(2) الدغامين: سورة العنكبوت دراسة وتفسير، مرجع سابق، ص 113.
(3) قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق (4/ 1746، 1844) .