فهرس الكتاب
الجاهلية على مدار التاريخ. وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود .. في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا .. إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس، بارتفاع وضخامة في الإيقاع، وسرعة وقوة في النبض، ولألاء شديد في التصوير والحركة .. بينما تمضي سورة يونس، في إيقاع رخي، ونبض هادئ، وسلاسة وديعة! .. فأما هود فهي شديدة الشبه بالأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا ..
ثم تبقى لكل سورة شخصيتها الخاصة، وملامحها المميزة، بعد كل هذا التشابه والاختلاف! (1) .
وهذا يضع علامة علامة استفهام على كلامه السابق! ويظهر النهج الأدبي واضحا في تعامل سيد مع سور القرآن من هذه الناحية، ذلك هو احتكامه إلى أمور غير منضبطة كالذوق الأدبي مثلا، كي يستطيع الباحث أن يدرك تلك الضحامة في الإيقاع، ويلمح تلك السرعة في النبض، وذلك اللألاء في التصوير والحركة ... وهذا الذوق كيف يضبط، وما القانون الذي يحكمه!! وأرى كذلك أن الاحتكام إلى الأسلوب بحيث يكون هو المميز للسورة أمر مشكل، إذ يلزم كل باحث في سورة ما أن يبيّن كيفية الاختلاف من سورة إلى سورة في تناولها لموضوع ما من حيث أسلوبها، فلو درسنا موضوع البعث - الذي تناولته سور كثيرة جدا - في سورة"ق"مثلا، فهل يلزمنا أن نبين الفرق في الأسلوب بين سورة"ق"، وتلك السور الكثير الأخرى التي تناولت موضوع البعث والنشور!! وليعلم أنني لا أقلل بهذا من شأن الذوق في فهم إدراك إعجاز القرآن في نظمه ولغته وأسلوبه.
ثالثا: لقد ذكر سيد أن سورة الصف تهدف إلى أمرين؛ الأول: أن تقر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي في صورته الأخيرة. والثاني: أن شعور المسلم بهذه الحقيقة يستتبع شعوره بتكاليف هذه الأمانة شعورا يدفعه إلى صدق النية في الجهاد لإظهار دينه على الدين كله. ثم ذكر أن سورة الجمعة تعالج نفس نفس الموضوع الذي عالجته سورة الصف لكن من جانب آخر وبأسلوب آخر وبمؤثرات جديدة، إنها تقر في خلد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيرا لحمل أمانة العقيدة، وإن هذا فضل من الله عليها، وإن بعثة الرسول الأخير منّه أخرى تستحق الالتفات والشكر. ثم يقول: هذا هو اتجاه السورة، وهو قريب من اتجاه سورة الصف قبلها، ومع تميز كل في الاتجاه الواحد العام (2) . وهو كلام غير ملتئم ولا مؤتلف!!
لا بد أن يكون إجمال المقاصد الفرعية في السورة على نحو أكثر انسجاما والتئاما. ويظهر أن تشابه بعض الآيات بين السورتين أدّى إلى مثل هذا التعميم في بيان الوحدة الموضوعية في
(1) المصدر نفسه (4 م 1745 - 1746) .
(2) المصدر نفسه (6/ 3550، 3562، 3563) .