في ترابط سوره - رغم تنزله في فترة زمنية طويلة، وفي أماكن ووقائع وأحوال عديدة - الأمر الذي يقطع باستحالة أن يكون ذلك من فعل بشر مهما أوتي من علم وحكمة وبيان، فضلا عن أن يكون ذلك من فعل رجل أمِّيّ مثل محمد - صلى الله عليه وسلم -.
سادسا: تفسير السورة تفسيرا تحليليا، يستعين الباحث فيه بكل العلوم والوسائل بالقدر الذي يخدم موضوع السورة، ويكشف عن مضمونها، ويحقق هدفها العام، وغرضها الرئيس دون الخوض في كل ما يشغل عن ذلك، وستكون كتب التراث التفسيري عونا للباحث. ومن هنا يتقرر لدينا أن التفسير التحليلي على كل الأحوال خادما للتفسير الموضوعي، فهو وسيلة لتقرير موضوعات القرآن والكشف عن حقائقه، وبيان الموقف القرآني في كل موضوع. فالتفسير الذي نريد اليوم أن يُعرف وأن يسود هو التفسير الموضوعي، وغيره خادم له.
وينبغي أن لا يغيب عن ذهن الباحث أثناء تفسيره للسورة إحداث الانطلاقتين اللتين قررناهما سابقا:
-الانطلاقة الأولى: تتجه من الواقع الذي يعيشه المفسر إلى القرآن ليحدث العملية الأولى بهدف تحقيق العلاج والشفاء؛ يبحث عن أسقام واقعه وأمراضه من خلال الموضوع الذي طرحته السورة وعالجته. وليكن تشخيصه للأمراض دقيقا، فإن ذلك يساعده على وصف حقيقي للعلاج، فإنه ما خلت أمة في كل زمان ومكان من علل وأمراض وأسقام، وما خلا القرآن الكريم في أيّ وقت وحين من دواء وعلاج، وما عجز يوما عن تحقيق الشفاء للناس.
-والانطلاقة الأخرى تتجه من القرآن إلى الواقع الذي يعيشه المفسر ليحدث العملية الثانية بهدف تحقيق البناء الحضاري للأمة من خلال الموضوع الذي طرحته السورة وعالجته، فإنه يشكل لبنة في جسم ذلك البناء. وسيسير المفسر من خلال النص القرآني باحثا عن أرضية واقعية يحلّ فيها ذلك النص، متفحصا لكل الإمكانات التي تكشف عن سنن الله في الكون، وفي الحياة، وفي الإنسان، وبهذا يتقرر أن التفسير الموضوعي من العوامل المهمة الكفيلة بتصحيح الأفكار والأفهام التي تمكن وتساعد في تحقيق النهضة الحضارية لهذا الأمة.
هذا، وينبغي أن تحذر في هذا المقام من أمرين:
-من التجزيئية في فهم موضوعات القرآن أو موضوعات سوره حيث تشكل كل سورة وحدة واحدة، أما انتزاع آيات منها وجعلها تحت موضوع معين فهو عين الخلط في الفهم، والخبط في منهجية البحث.