فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 166

العناية متمثلة في تنزيل منهج رباني يسوس حياة الناس، وينظم شؤونهم.

وبعبارة أخرى: إنها سورة الحفظ الإلهي للبشرية، وقد تمثل ذلك في حفظ هذا الكتاب الذي يمثل المنهج، وحفظ الكون من مردة الجانّ، وحفظ العباد: الأنبياء، من شر أقوامهم، والناس، من شر الشياطين، وكل ذلك رعاية بهذا المخلوق المكرم وعناية به.

فقد افتتحت السورة حديثها بالتنويه بشأن هذا الكتاب المعجز الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال تعالى: {الر. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٌ مَبِينٌ} [] .

تلك هي آيات الكتاب، وذلك هو القرآن المبين، وكل ما في الآية يؤكد ويعظم شأنه من تنكير وتعريف ووصف؛ لكونه يمثل المنهج المعصوم الصالح لحياة الناس وسعادتهم، والعاصم لها من الانحراف والغواية، ولما كان هذا الكتاب هو الضامن الأوحد لتحقيق ذلك، تعهد الله تعالى بحفظه من بين سائر كتبه المنزلة، فقال:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [] .

وبات الناس في غفلة عن هذه المقدمة المدهشة والعجيبة، فاقتضى أيضا افتتاح السورة بما يوقظ قلوبهم، ويشحذ عقولهم، ويثير اهتمامهم، فافتتحها بالحروف المقطعة التي تؤدي هذه الرسالة على أتم وجه، فقال: {الر} ، فليتنبه الناس إلى ما يسعدهم، ويحفظهم من الهلاك والضلالة، ومن التيه والغواية، ومن التخبط والعمى؛ يحفظهم من كل ما يدفع إلى السقوط في غضب الله تعالى، وينأى بهم عن مهاوي الهلاك والردى. وأكبر دليل على رعاية الله للإنسان وعنايته به هو حفظه لهذا المنهج من التحريف والتبديل، لأنه مشتمل على نظام الحياة ودستورها، وهيهات هيهات لأن تصلح الحياة بدونه، أو تستقيم بغيره!

وحديث القرآن - في هذه السورة - عن الخلق تضمن ذكر التهيئة الإلهية للأرض كي تصلح للإنسان فتتهيأ له فيها سبل الحياة الكريمة.

ثم بيّن شأن الإنسان عند الله تعالى، وسرّ أمر الملائكة أن تسجد له، ليدل على مدى عناية الله به وتكريمه له، فهو لما خلق له إنسان عظيم، وهو بما أنزل عليه صاحب منهج عظيم؛ ولذا صانه الله وحفظه على مرّ الأزمان، وكان هذا الكتاب منهج هذا الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد عاد القرآن - في نهاية هذه السورة - إلى الإشادة بعظمة هذا الكتاب وأهميته ودوره في قيادة البشرية، فقال سبحانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت