وبيانا (1) . وهذا الكلام يشوّش على منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وكما أسلفنا، فإن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدخل إلا ليزيد الموضوع بيانا ووضوحا، لا أن يشكل دعامات في هيكل الموضوع المدروس، إلا إذا أردنا توسعة إطار البحث ومنهجيته ليكون الموقف الناتج موقفا إسلاميا. ومن الجدير - في هذا المقام - أن نشير إلى أن الحديث النبوي لم يستقلّ عن القرآن إلا ببعض الموضوعات الجزئية القليلة، كما في المحرمات، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرّم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وفي مسائل قطعية أخرى قليلة، هذا على رأي، وعلى الرأي، فإن السنة وظيفتها البيان، وتفصيل هذه المسألة يُرجع فيه إلى كتب الأصول.
وقد وقع أستاذي د. عبد الجليل في مشكل التفريق بين الموضوعات الدنيوية والموضوعات الدينية، ومنشأ هذا الإشكال الخطأ أنه دار في فلك ما قاله الأستاذ محمد باقر الصدر في كلامه الذي سقناه آنفا، حيث رأى أن الموضوع يبتدئ من الواقع، وينتهي إلى القرآن فحسب، ظهر هذا جليا في عرضه لمنهج البحث في التفسير الموضوعي، فقال:
أولا: أن يكون الموضوع من الواقع الذي يشغل فكر الناس، ويعانون بسببه المتاعب، ويقعون في الحرج والضيق والمشاكل، ويجهدون أنفسهم في البحث عن الحلول في كل ما يتعلق بنظم الحياة المعيشية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية والحربية (2) . وقد سبق أن بيّنّا أن هذه العملية تقتصر على جانب واحد في النظر إلى القرآن الكريم، فدور القرآن ووظيفته لا يقتصر على تصحيح وتقويم مقولات البشر وأخطائهم، بل يتجاوز ذلك؛ لكونه يعدّ نقطة انطلاق لهذه الأمة لتحقيق الشهود الحضاري، أو لتحقيق نهضة حضارية شاملة. إن إمكانية هذا الكتاب المعجز عظيمة؛ لأنه يعالج أسقام البشرية وانحرافاتها، ويضع لها أسباب الشفاء، ويرسم لها طرق العلاج، وسبيل النجاة. وفي الوقت نفسه يطلب التمعن والتأمل والتفكر في محكم آياته للانطلاق نحو الكشف عن نواميس هذا الكون، وتسخير ما فيه، وليقرأ كتاب الله المنظور على ضوء كتابه المسطور، وليفهم كتابه المسطور على ضوء كتابه المنظور. يقول سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20] .
(1) البداية في التفسير الموضوعي، مرجع سابق، ص 62.
(2) التفسير الموضوعي، مرجع سابق، ص 71.