حامل هذا المنهج، والداعي إليه، ويقص الله سبحانه علينا خبر هذه المؤامرة، فيقول جلّ مِن قائل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .
ولم يخرج هذا المكر عن ثلاث وسائل، هذه الوسائل وإن تغيرت في شكلها وأسلوبها - من عصر إلى عصر - إلا أنها ستبقى محافظة على هدفها وغايتها مهما اختلفت الأزمان والأمكنة، وهذه الوسائل هي:
الوسيلة الأولى: الإثبات، وفسره الراغب بالتثبيط والحيرة (1) . وقال رشيد رضا: الإثبات: الشد بالوثاق، والإرهاق بالقيد، والحبس المانع من لقاء الناس ودعوتهم (2) . ويؤيد هذا ويشهد له واقع التنزيل، إذ كان القوم يرغبون في أن يحبسوه في الحديد، ويغلقوا عليه الباب، ويرغبون في فرض إقامة جبرية عليه تحول بينه وبين الناس، فلا يسمعون دعوته، ولا يستجيبون له. ومن ثَمَّ يخنقون الدعوة الجديدة، فتموت في مهدها.
الوسيلة الثانية: القتل، أو التصفية الجسدية. وهي وسيلة ما زالت ماثلة على أرض واقعنا المعاصر. أرادوا قتل الرسول، وقد رأوا تأثيره في الناس قد بلغ مبلغا عظيما، وبات يشكل خطرا على الشرك والوثنية والمناهج البشرية الوضعية التي أذاقت الناس الويل والبلاء، وسببت لهم مآسي كثيرة فقدوا معها طعم الحياة وغايتها وسعادتها!
وهناك بعد آخر تشير إليه الآية الكريمة، وهو تصوير حقيقة النجاح الذي أحرزه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما دفع المشركين إلى اتخاذ تلك التدابير الجبانة، إن كلمة الباطل التي نطق بها فرعون من قبل:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
وينطق بها فراعنة كل عصر تعدّ وسيلة فاعلة في نظر أهل البغي والمكر للتخلص من الحق والقضاء عليه، فهي سنة للباطل حين لا يستطيع المثول بين يدي الحق على صعيد المواجهة الفكرية
(1) الأصفهاني، المفردات، مرجع سابق، ص 78.
(2) رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق (9/ 65) .