فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 166

العصور اللاحقة لم يكن إلا ردود فعل، بينما كان الفعل الحقيقي بيد المسلمين أنفسهم، هم الذين كانوا يصنعون الأفعال، بينما أفعال أهل المكر والإلحاد كانت ردودا على تلك الأفعال. وكان المسلمون يفرضون على خصومهم أسلوب وطريقة واتجاه المواجهة وميدانها. كانوا يدعون إلى دين الله، ويبلغون كلمته، ويحتكمون إلى شريعته، وكان دين الله حيًّا في نفوسهم، وكان منهجه سائدا قائما في حياتهم.

أما اليوم، فقد تحوّل أهل المكر إلى الفعل، والتخطيط، والتنفيذ، والتحكم في هذه الأمة، وأصبحوا يفرضون ثقافتهم ونمط حياتهم على المسلمين، وتحول المسلمون لا أقول إلى موقف الدفاع، بل إلى موقف الخضوع والاستسلام الذليل شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. وباتت الثقافة الغربية تهدد المجتمعات المسلمة في عقر دارها، ويسعفهم في هذا التطور العلمي والتكنولوجي الكبير الذي إليه، وما أجهزة الأقمار الصناعية ( satellite) التي تغزو البيوت المسلمة إلا بريد أمين لتلك الثقافة، يوصلها على أتم وجه وأبلغه. وأصبحت ردود الأفعال بالنسبة للمسلمين أمرا مستحيلا، فما بالك بصنع الأحداث نفسها! لقد فقدوا وحدتهم وهويتهم وأصبحوا هدفا لكل عابث، وفريسة لكل جائع!

وتؤكد آيات أخرى على ردة فعل أخرى من قبل الذين يمكرون بهذا الدين، وبهذا المنهج الرباني، قال تعالى:

{وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .

وهذه طريقة في المكر خبيثة وخفية، إذ لبسوا استكبارهم ثوب الموضوعية، وأخرجوه بمظهر الإنصاف والتطلع إلى الحق، وهذه المفاصلة تقتضي أن يأتيهم الرسول بما يرغبون، حتى يتمكنوا من الإيمان به واتباعه، وهم بهذا يهدفون إلى إحداث فجوة تسقط فيها الدعوة إلى الله تعالى، فلا تنهض بعدها. وانظر كيف طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدله، لا لسبب أو شبه سبب، ولكن للتشويش على الدعوة الإسلامية وتشويهها، وإفساد الأحكام التي جاءت بها. قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] . وقد كتب اليهودي المجري المستشرق جولد زيهر كتابا سماه:"مذاهب التفسير الإسلامي"تحدث في الباب الأول عن جمع القرآن، فملأه بالافتراءات والأغاليط والجهالات المقصودة، واتبع منهجية في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت