تزول منه الجبال (1) . ويرى أستاذي العلامة د. فضل عباس أن المقصود بالجبال على هذا التفسير تلك القواعد الراسخة من العقيدة، فمهما كان مكر أولئك قويا ومدروسا وعنيفا، إلا أنه مع شدّته ما كان ليؤثر فيكم أيها المؤمنون، وما كان ليمحو هذا الدين أو يؤثر في هذه العقيدة أو يصد معتنقيها عن الحق (2) .
إن صلابة مكرهم وقوته، وكونه مبنيا على خطط وقواعد، وكون أساليبه شديدة التأثير، كل ذلك يؤكد أن السلاح الفعال الذي يبخر آمالهم ويتركها لتتحطم على صخرة كأداء هو سلاح العقيدة، العقيدة المبنية على العلم واليقين، العقيدة الراسخة في النفوس، والإيمان الذي يمتدّ بجذوره في أعماق القلوب. إن العقيدة الصالحة الحيّة تعدّ في المواجهة أصلب وأشدّ من مكرهم وأقوى، ومكر أولئك هو يبور.
إن سلاح العقيدة هو السياج الحامي لجسم الأمة كله من براثن مكرهم ومكامن خطرهم، وليس شيء أنفع من ذلك!! لقد كان المسلمون - حينما كانت العقيدة حيّة في نفوسهم - هم الموجّهين لطبيعة الصراع المديرين له، وكانوا يلعبون في ساحة الخصم وعلى أرضه. وحين ضعفت العقيدة في نفوسهم، وأصاب الشلل العقل المسلم فأقعده عن التفكير، انقلب أمرهم كله إلى النقيض. وما زالت العقيدة الإسلامية هدفا أساسيا لحملات المبشرين والمتشرقين والمستعمرين. وقد اعترف المبشرون - أخيرا - بأن التبشير الرسمي، واكتساب المسلمين إلى صفوف النصرانية قد خاب؛ من أجل ذلك قنع هؤلاء المبشرون أن يكون عملهم الإنساني قاصرا على زعزعة عقيدة المسلمين على الأقل (2) .
... وهكذا، فإن حدود المكر لا تتوقف عند إغراء الناس بارتكاب المعاصي، وإشاعة الفواحش، بل تتجاوز ذلك إلى إفساد أصل الاعتقاد الذي يعتقده المسلم؛ لأن أي خلل أو انحراف في هذا الاعتقاد سيفسد كل عمل المسلم وسلوكه، ولذلك عدّ القرآن الشرك والضلال مكرا، وأي مكر! يقول سبحانه:
{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 32] .
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (13/ 250) .
(2) فضل عباس، قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية (1989) ، دار البشير، عمان، ص 223 - 224.
(3) فروخ، التبشير والاستعمار، ص 46.