فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 166

لقد زيّن الشيطان لهم شركهم وكفرهم وجحودهم بآيات الله تعالى، ويزيّن للمعاصرين مذاهبهم وأفكارهم التي نهجت نهجا بعيدا عن دين الحق. ولا شك أن المعنيّ بخطاب القرآن وحديثه أولئك الملأ والسادة الذين يصدّون الناس عن اتباع الحق، ويوجهونهم وجهة باطلة، ويحسبون بهذا العمل أنهم يحسنون صنعا. ولكن لماذا سماه القرآن مكرا؟!

الجواب: لأنه شرك مقصود لا يدفع إليه نظر عقلي، ولا إحساس فطري، بل الاستنكبار والعناد، ولأنه يحقق لهم منافع ومصالح كثيرة،

منها: البقاء في منصب القيادة والتوجيه ..

ومنها: الإبقاء على الطبقة الضعيفة تحت سلطانهم وسطوتهم.

ومنها: إعطاء أنفسهم حق التشريع والتقنين ..

لهذا كله يحرص الملأ والقادة على إفساد عقائد الناس وخداعهم وتضليلهم، ويظهرون كرههم لدين الله ومحاربتهم لمنهجه.

يقول أ. ل. شاتليه في تقديمه لبحوث إحدى مؤتمرات التبشير:"ولا شك أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها؛ ولا يتم ذلك إلا ببثّ الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوروبية، فبنشر اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية، يحتك الإسلام بصحف أوروبا، وتتمهد السبل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها" (1) . وقد غاب عن ذهن شاتليه أن تاريخ المسلمين يشهد ضد حكمه الأخير هذا؛ فقد دخل المسلمون فاتحين لبلاد كثيرة، ومبشرين بالعقدية السمحة، واختلطوا بسكان البلاد المفتوحة في فارس والروم، وكان هؤلاء أكثر تقدما من المسلمين من الناحية المادية، لكن الذي حدث أن العقيدة الإسلامية لم تزدد في نفوس معتنقيها إلا قوة ونصوعا.

ومن هنا، يتأكد في قرارة نفوسنا أن التمسك بالعقيدة، والحفاظ عليها من الأسس القوية في مواجهة حملات المكر والعدوان، وهي أحد الحلول التي يطرحها القرآن الكريم لخروج الأمة من أزماتها، إنها تلك العقيدة التي تحرك مجموع الأمة، لا فئة معيّنة فيها.

إن القرآن الكريم يؤكد حقيقة ينبغي أن يعيها كل إنسان، وهي أن رحمة الله تعالى التي امتنّ بها عليه بإرسال من يأخذ بيده إلى طريق الحق وبرّ الأمان، ينبغي أن لا ينفر منها فيجحدها ويتخذ موقف العداء منها. ولقد قدر لهذا الإنسان أن يعيش بلا هدى من الله تعالى، لأصبح هذا الهدى مطلبا أساسيا له، بل ضرورة يقتضيها العقل. أما وقد بعث الله للإنسان رسولا، فإن الاستجابة السريعة هي الموقف الطبيعي لهذا الإنسان، ومن هنا يحذر القرآن هؤلاء العابثين الماكرين من

(1) أ. ل. شاتليه؛ الغارة على العالم الإسلامي، ترجمة محب الدين الخطيب ومساعد الباقي (1398) ، المطبعة السلفية، القاهرة، ص 8 - 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت