فهذه القراءة لون من الصحبة والمعايشة، ولكنها صحبة فكرية ونفسية، ومعايشة روحية وإيمانية.
ومن فضل الله تبارك وتعالى: أن في تراثنا كثيرا من"النماذج المخلصة"التي لا يملك من قرأها إلا أن يتأثر بها.
من هذه النماذج نموذج الثلاثة"أصحاب الغار"الذين قص علينا قصتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حين أطبقت عليهم الصخرة، فلم ينجهم منها إلا أعمال صالحة كانوا قدموها خالصة لوجه الله تعالى، فتوسلوا إلى الله بها، وقال كل واحد منهم:"اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه". ففرج الله عنهم، وأخرجهم من ورطتهم بسبب إخلاصهم. وقد مر بنا هذا النموذج مفصلا فليرجع إليه (1) .
ومن هذه النماذج ما جاء في الحديث الذي رواه النسائي في سننه عن شداد بن الهاد رضي الله عنه: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به وابتعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه.
فلما كانت غزاته غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخذه، فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا؟ قال:"قسمته لك".
قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة، فقال:"إن تصدق الله يصدقك".
فلبثوا قليلا: ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أهو هو"؟ قالوا: نعم، قال:"صدق الله فصدقه".
ثم كفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في جبته التي عليه، ثم قدمه فصلى عليه، وكان بما ظهر من صلاته:"اللهم هذا عبدك، خرج مهاجرا في سبيلك، فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك".
(1) مرّ بنا في ص 109.