ولهذا قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص، لأنه - لخوفه منه - يرقبه ويتتبعه، ويعرف أغواره ومداخله، ولا يكذب على نفسه، ويزين لها سوء عمله فتراه حسنا.
ومن أجل هذا صعب الإخلاص، وقل المخلصون، وفيه قال سهل أيضا: أهل"لا إله إلا الله"كثير، ولكن المخلصين منهم قليل!
هذه العناصر التي ذكرناها هي مقومات الإخلاص الكامل، والسعيد من توافرت له كلها وقليل ما هم، وعلى قدر حظ المسلم منها يكون حظه من الإخلاص.
وللإمام الغزالي بحث عميق في"إحيائه"في بيان حقيقة الإخلاص، وهو فارس الميدان في هذا المجال، علما وعملا، وهو الذي رأى عمله في التصنيف والتدريس في علوم الفقه والأصول والكلام والرد على الفلاسفة والباطنية وغيرها - مما بوأه مقعد الشهرة والإمامة في العالم الإسلامي كله يومئذ - رأى ذلك كله عملا من أعمال الدنيا، وشهوات النفس، وطلب المنزلة والجاه في قلوب الخلق، فاعتزل ذلك كله، ليطلب الخلاص من الإخلاص (1) .
ولهذا كان كلامه هنا كلام خبير بأهواء النفس البشرية ومنعطفاتها وتمويهاتها، وبتلبيس إبليس على الإنسان، حتى يحسب أنه يعمل لله، وهو إنما يعمل لذاته.
يقول الغزالي:
"اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا، قال الله تعالى:"
(1) انظر في ذلك كتابنا:"الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه"نشر دار الوفاء، ودار الصحوة.