بمحمدة الناس، أو كان في الإسرار رعاية لحرمة الفقير، وحفظ لكرامته، لا سيما إن كان من المستورين المتعففين، الذين وصفهم القرآن بقوله: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] .
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن"السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"ذكر أحد الأصناف، وهو:"رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه" (1) .
وهذا هو المقام الأعلى، ولكن إذا أبدى الصدقة، أو أظهر العمل الصالح، لسبب من الأسباب التي ذكرناها من قبل، فلا حرج عليه، والواجب عليه أن يفتش عن دخيلة نفسه، ويحترس من خداعها، فإنها أمارة بالسوء، خداعة غرارة، وليحذر ما استطاع من الرياء، فربما كان هناك رياء في غاية الخفاء، يتسلل إليه، وهو لا يشعر، فيحبط عمله، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، وهنا لا بد له من الاستعانة بالله جل وعلا، والبراءة من الحول والقوة، واللجوء إلى حول الله سبحانه وقوته، ومن الدعاء المأثور:"اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" (2) .
وإذا كان الشرع قد جاء بالرخصة في إظهار الطاعات، وخصوصا الفرائض بل والنوافل في بعض الأحيان، لتحقيق أهداف ذكرناها، فإنه لم يشرع إظهار المعاصي والإعلان عنها، بل أمر بإخفائها إن وقعت، وكتمانها عن الغير ما استطاع، لا مراءاة للناس، ولا طلبا لثنائهم، وظهورا بصورة يحبونها، وإن كانت غير صورته الحقيقية.
(1) متفق عليه عن أبي هريرة: اللؤلؤ والمرجان [610] .
(2) تقدم تخريجه من حديث أبي موسى، ص 49.