فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 116

بل إنما يحمد كتمان الذنوب، وكراهة إطلاع الناس على العيوب، لعدة أسباب:

أولا: لأننا مأمورون إننا إذا ابتلينا بمعاصي الله أن نستتر بستره سبحانه، ولا نفضح أنفسنا، وفي الحديث:"اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى" (1) .

من أجل هذا يكره ظهور المعصية من غيره، كما يكرهها من نفسه، وفي الصحيح:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (2) ، ومفهومه: أن يكره له ما يكره لنفسه.

وثانيا: للتحامي عن هتك ستره، وظهور أمره، خوفا من سقوط وقع المعاصي من النفس، وجرأتها عليها، فإن النفس متى ألفت ظهور الذنوب، زاد انهماكها فيها، واسترسلت في شهواتها بارتكابها، ولم تبال باجتنابها.

وهذا الخوف من هتك الستر في الدنيا يتبعه خوف من الهتك في الآخرة، وهو أشد وأخزى. ولهذا يقول الطيبون: اللهم كما سترت علينا في الدنيا، استر علينا في الآخرة، ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد، يوم العرض عليك.

وثالثا: لئلا يقلده غيره، فيكون سببا في انتشار معاصي الله في الأرض، وتجرئ الناس عليها، فحسبه أن يتورط هو في المعصية، ويسأل الله التوبة والمغفرة، ولكن لا يظهرها فتشيع وتتسع، فإنها تعدى كما يعدى الأجراب السليم، وتؤذي كما يؤذي نافخ الكير جاره، فإذا غرق هو، فهو يكره أن يغرق غيره معه.

ولهذا ينبغي للعاصي أن يخفي معصيته حتى عن أقرب الناس إليه، مثل أهله وولده، وخادمه، حتى لا يتأسوا به.

(1) رواه الحاكم (4/ 244) عن ابن عمر، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، وجوّد إسناده الحافظ العراقي في تخريج"الإحياء"، وصححه ابن السكن.

(2) متفق عليه عن أنس: اللؤلؤ والمرجان [28] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت