وإن المرء قد يلبس لبوس المجاهدين، ويقاتل في صفوفهم، حتى يقتل على أيدي الكفار ثم لا يعد عند الله شهيدا، وما ذلك إلا لأن نيته لم تتجرد لإعلاء كلمة الله، وداخلتها مقاصد وبواعث أخرى.
وقد جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ومفهوم هذا: أن كل قتال آخر ليس في سبيل الله."
ولا تحسبن يا أخي المسلم أن التحقق بالإخلاص أمر يسير، وأنه في متناول اليد لكل من أراد، وأن تحصيله ممكن بأدنى جهد وبلا معاناة ولا مجاهدة، فهذا بعيد عن الحقيقة.
والواقع أن تحقيق الإخلاص ليس بالأمر الهين، كما يظن بعض الذين يتعاملون مع السطوح لا مع الأعماق، ومع القشور لا مع اللباب.
فقد أكد العارفون من سالكي الطريق إلى الله تعالى: صعوبة الإخلاص، ومشقته على أنفس الخلق، إلا على من يسره الله تعالى عليه.
وذلك لأن الإخلاص - كما قلنا - يتضمن أمرين: استحضار النية، وتحريرها من الشوائب.
أما استحضار النية في العمل، فهو مهم، ولا يكفي أن يؤدي الإنسان العمل"أتوماتيكيا"دون أن تحضره النية وتلونه وتوجهه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنما الأعمال بالنيات" (1) . ويقول:"إنما يبعث الناس على نياتهم" (2) .
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه أحمد (2/ 392) ، وابن ماجه [4229] ، كلاهما عن جابر، وحسّنه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، وذكره في صحيح الجامع الصغير عن أبي هريرة، ونسبه إلى ابن ماجه [2379] .