وقد يجد متعة نفسية، ولذة روحية في الاعتمار في كل رمضان، والحج في كل موسم، ولو قيل له: ابذل ما تنفقه لإخوانك الذين يتعرضون للهلاك في فلسطين أو البوسنة أو كشمير، لم ينشرح لذلك صدره، وهو ما اعتبره الغزالي من"باب الغرور" (1) .
وقد ذهب أحد المحسنين من بعض البلاد الغنية إلى بلد إفريقي ليبني فيه مسجدا، فلقيه بعض العقلاء من أهل البلد، واقترحوا عليه أن يرمم عددا من المساجد القديمة الآيلة للسقوط، وهي في مناطق آهلة بالسكان، ولا يستغني الناس عنها، ويمكنه أن يرمم عشرة مساجد قديمة بما ينفقه على بناء مسجد واحد حديث، ولكنه أبى إلا أن يشيد مسجدا يحمل اسمه الكريم!
12 -ومن تمام الإخلاص: ألا يفسد العمل بعد تمامه بالإعجاب به، والاطمئنان إليه، والزهو به، وهذا يعميه عما فيه من خلل قد شابه، أو دخل أصابه، والشأن في المؤمن أن يكون بعد أداء العمل خائفا أن يكون قد قصر فيه أو أخل به من حيث يشعر أو لا يشعر، ولهذا يخشى ألا يقبل منه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .
ومن الكلمات النيرة المنسوبة إلى الإمام علي كرم الله وجهه قوله: سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك!
أخذ هذا المعنى ابن عطاء الله السكندري في"حكمه"فقال: ربما فتح الله لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قدر عليك المعصية، فكانت سببا في الوصول، معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا!
ومن هنا حذر القرآن الكريم من اتباع الصدقة بالمن أو الأذى، خشية أن يبطلها ويضيع أثرها.
(1) انظر: كتابنا"في فقه الأولويات"، ص 16 - 19، 136 - 137، 248 - 249.