فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 116

ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والإيمان والنذور وسائر العقود والأفعال.

وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع.

وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح، لأنه قد نوى ذلك، وإنما لامرئ ما نوى، فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص.

وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر كان له ما نوى، ولذلك استحق اللعنة.

وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله، كان له ما نواه، فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على الحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له، لا في عقل ولا في شرع، ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولا لنفس ما نهي عنه" (1) ."

ومن أهم ما تؤثر فيه النية: المباحات والعاديات، فإنها تتحول بالنية إلى عبادات وقربات، فالعمل لكسب الرزق في زراعة أو صناعة أو تجارة أو حرفة أو وظيفة، يغدو عبادة وجهادا في سبيل الله، إذا كان عمله ليعف نفسه عن الحرام، ويغنيها بالحلال.

والأكل والشرب واللبس والتجمل كذلك، إذا كان يستعين بذلك على طاعة الله، وأداء واجبه نحو ربه وأهله وأمته، وإظهارا لنعمة الله عليه، ففي الحديث:"إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (2) .

وقد مر بنا حديث سعد بن أبي وقاص: أن المؤمن يؤجر في كل عمل يبتغي به وجه الله، حتى في اللقمة يرفعها إلى فم امرأته.

وأعجب من ذلك: أن شهوة الجنس إذا قضاها المؤمن في الحلال، كان له

(1) إعلام الموقعين (2/ 122 - 123) ، طبعة السعادة بمصر - بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.

(2) رواه الترمذي في كتاب الأدب من سننه [2820] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حديث حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت