فأمر رجاله إذا ظفروا بأسير من أسرى المسلمين أن يأتوا به إليه ليرى حالهم ويسمع من أفواههم .. وكان ذلك الأسير الذي أخذ إلى ملك الروم هو عبد الله بن حذافة رضي الله عنه! .. لم يكن قيصر إلا رجلًا داهية وسياسيًا محنكًا يعرف مواطن الضعف عند الرجال ويعلم محبة النفوس للدنيا .. تأمل قيصر في طلعة عبد الله بن حذافة وصلابة عوده وقوة شكيمته فبادره قائلًا: إني أعرض عليك أمرًا .. أعرض عليك أن تتنصر فإن فعلت خليت سبيلك وأكرمت مثواك! إنه عرض مغر لأسير ينتظر الموت لكن القلوب تختلف والرجال تتباين .. كان الرد الفوري والحازم ممن عمر الإيمان قلبه: هيهات هيهات .. إن الموت لأحب إليَّ ألف مرة مما تدعوني إليه! تعجب قيصر وأعاد الكرة مرة أخرى بعرض آخر يسيل له لعاب الكثير .. قال له: إني لأرى فيك صفات الرجل الشهم العاقل .. فأجبني إلى ما أعرضه عليك .. فإن أجبتني أشركتك في ملكي وقاسمتك سلطاني! تعال أيها العربي - الذي أحرقت الشمس وجهه - أقاسمك مملكة الروم العظيمة وأزوجك ابنة سيد الروم الجميلة! عروض متتالية لرجل فقير مسكين رث الثياب مُجهد الخطوات .. لا يملك حفنة من الأرض مقيد بالسلاسل ومكبل بالقيود والموت يحوم فوق رأسه! فماذا كان جوابه في تلك اللحظات الفاصلة في حياته! قال عبد الله بن حذافة رضي الله عنه بثقة المؤمن بربه الراغب فيما عنده: والله لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت! نعم ليس ملكك فحسب .. وليس تنصرًا مستمرًا .. بل رجوع طرفة عين ما فعلت! رأي قيصر أن هذا المؤمن لا تلين له قناة ولن تنفع معه وسائل الإغراء وطرق الترغيب .. فهب واقفًا وهو يصرخ متهددًا متوعدًا: إذا أقتلك! قال ذلك والجلاد على رأس عبد الله والسيف مجرد من غمده ..