فكل نعمة سوى الإيمان وحسن الخلق قد تكون بلاء في حق بعض الناس، وتكون أضدادها نعمًا في حقهم، فكما أن المعرفة كمال ونعمة، إلا أنها قد تكون في بعض الأحيان بلاء وفقدها نعمة مثل أجل العبد أو جهله بما يضمر له الناس، إذ لو رفع له الستر لطال غمه وحسده. وكم من نعمة يحرص عليها العبد فيها هلاكه، ولما كانت الآلام والأمراض أدوية للأرواح والأبدان وكانت كمالًا للإنسان، فإن فاطره وبارئه ما أمرضه إلا ليشفيه، وما ابتلاه إلا ليعافيه، وما أماته إلا ليحييه، وقد حجب سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره وجعلها جسرًا موصلًا إليها، ولهذا قال العقلاء قاطبة: إن النعيم لا يدرك بالنعيم، وإن الراحة لا تنال بالراحة، فهذه الآلام والمشاق من أعظم النعم، إذ هي أسباب النعم، فمثلًا نزول الأمطار والثلوج وهبوب الرياح وما يصاحبها من الآلام فإنها مغمورة جدًا بالنسبة إلى المنافع والمصالح التي تصحبها، فمثلًا لو أن المرأة نظرت إلى آلام الحمل والولادة لما تزوجت، لكن لذة الأمومة والأولاد أضعاف أضعاف تلك الآلام، بل إنها إذا حرمت الأولاد لم تترك طبيبًا إلا وذهبت إليه من أجل الحصول على الأبناء، إنه لا يوجد شر محض، وما نهى سبحانه عن الأعمال القبيحة إلا لأن مفسدتها راجحة على خيرها، وهكذا.. وقد قال الله عن الخمر: إثمها أكبر من نفعها، فلو نظر العبد كم يحصل له من المضار والمفاسد منها لما أقدم عليها.
فإذا تقرر هذا كله، فأليكم فوائد ومصالح ومنافع الأمراض والتي تزيد عن المائة فائدة نقتصر على بعض منها: