وقد قال بعض أهل العلم: لقد فاوضت غير واحد من أهل الكتاب عن الإسلام، فكان آخر ما قال لي أحدهم: أنا لا أترك الخمر وشربها، وإذا أسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربي، وقال لي أيضا آخر بعد أن عرضت عليه الإسلام: إن ما قلت حق، ولكني لي أقارب أرباب أموال وإني إذا أسلمت لم يصل إلي منها شيء، وأنا آمل أن أرثهم. ولا ريب أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار، فإذا اجتمع في حقهم قوة داعي الشهوة والمال مع ضعف داعي الإيمان، فلا ريب أن العبد يجيب داعي الشهوة والمال وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ [الأحقاف:32] .
6-ومن موانع الهداية: مانع محبة الأهل والأقارب والعشيرة: فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وهذا سبب بقاء خلق كثير من الكفار بين قومهم وأهليهم وعشائرهم، وهذه الحالة تحصل كثيرا بين اليهود والنصارى، وكيف أنهم ينبذون كل من خالف مذهبهم ويعادونه كلهم، مما جعل كثيرا من أبنائهم وممن ينتسب إليهم يتركون الحق بعد معرفته ويعرضون عنه.
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا
7-ومن موانع الهداية: محبة الدار والوطن وإن لم يكن بها عشيرة ولا أقارب، لكن يرى أن في متابعته للرسول أو أهل الحق الذين اتبعوه - فيه خروج عن داره ووطنه إلى دار الغربة، فيضن بوطنه على متابعة الحق أو الدخول في الإسلام بعد تيقنه، ومن قرأ سيرة سلمان وما لاقى من المتاعب في سبيل الوصول إلى الحق لعلم أي مجاهدة جاهد بها نفسه، وكيف ترك أهله وعشيرته ووطنه وهاجر إلى المدينة، وقد سمي (الباحث عن الحقيقة) ، وكذا الأمر في سائر الصحابة الذين تركوا أهلهم وأبناءهم وأموالهم وخرجوا إلى مدينة الرسول يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون.