البعثة وبلوغ الدعوة وأما قبل ذلك فقالت الأشعرية لا يتعلق له سبحانه حكم بأفعال المكلفين فلا يحرم كفر ولا يجب إيمان وقالت المعتزلة إنه يتعلق له تعالى حكم بما أدرك العقل فيه صفة حسن أو قبح لذاته أو لصفته أو لوجوه واعتبارات على اختلاف بينهم في ذلك قالوا والشرع كاشف عما أدركه العقل قبل وروده
وقد اتفق الأشعرية والمعتزلة على أن العقل يدرك الحسن والقبح في شيئين الأول ملاءمة الغرض للطبع ومنافرته له فالموافق حسن عند العقل والمنافر قبيح عنده الثاني صفة الكمال والنقص فصفات الكمال حسنة عند العقل وصفات النقص قبيحة عنده
ومحل النزاع بينهم كما أطبق عليه جمهور المتأخرين وإن كان مخالفا لما كان عند كثير من المتقدمين هو كون الفعل متعلق المدح والثواب والذم والعقاب آجلا وعاجلا فعند الأشعرية ومن وافقهم أن ذلك لا يثبت إلا بالشرع وعند المعتزلة ومن وافقهم أن ذلك ليس إلا لكون الفعل واقعا على وجه مخصوص لأجله يستحق فاعله الذم قالوا وذلك الوجه قد يستقل العقل بإدراكه وقد لا يستقل أما الأول فالعقل يعلم بالضرورة حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ويعلم نظرا حسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع وأما الثاني فكحسن صوم يوم آخر من رمضان وقبح صوم الذي بعده فإن العقل لا طريق له إلى العلم بذلك لكن الشرع لما ورد علمنا الحسن والقبح فيهما وأجيب بأن دخول هذه القبائح في الوجوه إما أن يكون على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق وعلى التقديرين فالقول بالقبح باطل بيان الأول أن فاعل القبيح إما أن يكون متمكنا من الترك أو لا يكون فإن لم يتمكن من الترك فقد ثبت الاضطرار وإن تمكن من الترك فإما أن يتوقف رجحان الفاعلية على التاركية على مرجح أو لا يتوقف إن لم يتوقف فإتفاقي لا اختياري لعدم الإرادة وإن توقف فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من غيره أو لا منه ولا من غيره فالأول محال لأن الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محل والثاني يقال فيه إن عند حصول ذلك المرجح إما أن يجب قبول الأثر أو لا فإن وجب فقد ثبت الإضطرار لأن قبل وجود هذا المرجح كان الفعل ممتنع الوقوع وعند وجوده صار واجب الوقوع وليس وقوع هذا المرجح بالعبد البتة فلم يكن للعبد تمكن في شيء من الفعل والترك ولا معنى للاضطرار إلا