ذلك وإن لم يجب حصول هذا المرجح لا يمتنع وجود الفعل تارة وعدمه أخرى فترجيح جانب الوجود على جانب العدم إما أن يتوقف على انضمام مرجح إليه أو لا يتوقف إن توقف لم يكن الحاصل قبل ذلك مرجحا تاما وقد فرضناه مرجحا تاما هذا خلف وإن لم يتوقف فلا ترجيح البتة وإلا لعاد القسم الأول وإن كان حصول ذلك المرجح لا من العبد ولا من غير العبد فحينئذ يكون واقعا لا لمؤثر فيكون اتفاقيا ورد هذا الجواب بأن القادر يرجح الفاعلية على التاركية من غير مرجح وأجيب عن هذا الرد بأن ترجيح القادر إن كان له مفهوم زائد على كونه قادرا كان تسليما لكون رجحان الفاعلية على التاركية لا يمكن إلا عند انضمام آخر إلى القادرية فيعود الكلام الأول وإن لم يكن له مفهوم زائد لم يكن لقولكم القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلا مجرد أن صفة القادرية مستمرة في الأزمان كلها ثم أنه يوجد الأثر في بعض تلك الأزمنة دون بعض من غير أن يكون ذلك القادر قد رجحه وقصد إيقاعه ولا معنى للاتفاق إلا ذلك
ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف لاستلزامه نفي المرجح مطلقا والعلم الضروري حاصل لكل عاقل بأن الظلم والكذب والجهل قبيحة عند العقل وأن العدل والصدق والعلم حسنة عنده لكن حاصل ما يدركه العقل من قبيح هذا القبح وحسن هذا الحسن هو أن فاعل الأول يستحق الذم وفاعل الثاني يستحق المدح وأما كون الأول متعلقا للعقاب الأخروي والثاني متعلقا للثواب الأخروي فلا
واحتج المثبتون للتحسين والتقبيح العقليين بأن الحسن والقبح لو لم يكونا معلومين قبل الشرع لاستحال أن يعلما عند وروده لأنهما إن لم يكونا معلومين قبله فعند وروده بهما يكون واردا بما لا يعقله السامع ولا يتصوره وذلك محال فوجب أن يكونا معلومين قبل وروده وأجيب بأن الموقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح فإنا قبل الشرع نتصور ماهية رتب العقاب والثواب والمدح والذم على الفعل ونتصور عدم هذا الترتب فتصور الحسن والقبح لا يتوقف على الشرع إنما المتوقف عليه هو التصديق فأين أحدهما من الآخر واحتج المثبتون أيضا بأنه لو لم يكن الحكم بالحسن والقبح إلا بالشرع لحسن من الله كل شيء ولو حسن منه كل شيء لحسن منه اظهار المعجزة على يد الكاذب ولو حسن منه ذلك لما أمكننا التمييز بين النبي والمنبىء وذلك يفضي إلى بطلان الشرائع وأجيب بأن الاستدلال بالمعجز على الصدق مبني على أن الله إنما خلق ذلك المعجز للصدق وكل من صدقه الله فهو صادق وبأن العقل يمنع من خلق المعجز على يد الكاذب مطلقا لأن خلقه