فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 463

عند الدعوى يوهم أن المقصود منه التصديق فلو كان المدعي كاذبا لكان ذلك إيهاما لتصديق الكاذب وأنه قبيح والله لا يفعل القبيح واحتج المثبتون أيضا بأنه لو حسن من الله كل شيء لما قبح منه الكذب وعلى هذا لا يبقى اعتماد على وعده ووعيده وأجيب بان هذا وارد عليهم لأن الكذب قد يحسن في مثل الدفع به عن قتل انسان ظلما وفي مثل من توعد غيره بأن يفعل به ما لا يجوز من أنواع الظلم ثم ترك ذلك فإنه هنا يحسن الكذب ويقبح الصدق ورد بأن الحكم قد يتخلف عن المقتضى لمانع ولا اعتبار بالنادر على أنه يمكن أن يقع الدفع لمن أراد أن يفعل ما لا يحل بإيراد المعاريض فإن فيها مندوحة عن الكذب واحتج المثبتون أيضا بأنه لو قيل للعاقل إن صدقت أعطيناك دينارا وإن كذبت أعطيناك دينارا فإنا نعلم بالضرورة أن العاقل يختار الصدق ولو لم يكن حسنا لما اختاره وأجيب بأنه إنما يترجح الصدق على الكذب في هذه الصورة لأن أهل العلم اتفقوا على قبح الكذب وحسن الصدق لما أن نظام العالم لا يحصل إلا بذلك والإنسان لما نشأ على هذا الاعتقاد واستمر عليه لا جرم ترجح الصدق عنده على الكذب ورد هذا بأن كل فرد من أفراد الإنسان إذا فرض نفسه خالية عن الإلف والعادة والمذهب والإعتقاد ثم عرض عليها عند هذا الفرض هذه القضية وجدها جازمة بترجيح الصدق على الكذب

وبالجملة فالكلام في هذا البحث يطول وانكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهتة وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقا للثواب وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مسلم وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله وهذا الفعل القبيح يذم فاعله ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب ومما يستدل به على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقوله { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } وقوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت