عند الدعوى يوهم أن المقصود منه التصديق فلو كان المدعي كاذبا لكان ذلك إيهاما لتصديق الكاذب وأنه قبيح والله لا يفعل القبيح واحتج المثبتون أيضا بأنه لو حسن من الله كل شيء لما قبح منه الكذب وعلى هذا لا يبقى اعتماد على وعده ووعيده وأجيب بان هذا وارد عليهم لأن الكذب قد يحسن في مثل الدفع به عن قتل انسان ظلما وفي مثل من توعد غيره بأن يفعل به ما لا يجوز من أنواع الظلم ثم ترك ذلك فإنه هنا يحسن الكذب ويقبح الصدق ورد بأن الحكم قد يتخلف عن المقتضى لمانع ولا اعتبار بالنادر على أنه يمكن أن يقع الدفع لمن أراد أن يفعل ما لا يحل بإيراد المعاريض فإن فيها مندوحة عن الكذب واحتج المثبتون أيضا بأنه لو قيل للعاقل إن صدقت أعطيناك دينارا وإن كذبت أعطيناك دينارا فإنا نعلم بالضرورة أن العاقل يختار الصدق ولو لم يكن حسنا لما اختاره وأجيب بأنه إنما يترجح الصدق على الكذب في هذه الصورة لأن أهل العلم اتفقوا على قبح الكذب وحسن الصدق لما أن نظام العالم لا يحصل إلا بذلك والإنسان لما نشأ على هذا الاعتقاد واستمر عليه لا جرم ترجح الصدق عنده على الكذب ورد هذا بأن كل فرد من أفراد الإنسان إذا فرض نفسه خالية عن الإلف والعادة والمذهب والإعتقاد ثم عرض عليها عند هذا الفرض هذه القضية وجدها جازمة بترجيح الصدق على الكذب
وبالجملة فالكلام في هذا البحث يطول وانكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهتة وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقا للثواب وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مسلم وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله وهذا الفعل القبيح يذم فاعله ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب ومما يستدل به على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقوله { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } وقوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }