بصيرا بالجرح والتعديل واختار هذا القاضي ابو بكر وذهب جماعة الى انه يقبل التعديل من غير ذكر السبب بخلاف الجرح فانه يحصل بأمر واحد وايضا سبب الجرح مختلف فيه بخلاف سبب التعديل والى هذا ذهب الشافعي قال القرطبي وهو الاكثر من قول مالك قال الخطيب وذهب اليه الائمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم وذهب جماعة الى انه يقبل الجرح من غير ذكر السبب ولا يقبل التعديل الا بذكر السبب قالوا لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعدل لا يحصل الثقة لتسارع الناس الى الظاهر
والحق انه لا بد من ذكر السبب في الجرح والتعديل لان الجارح والمعدل قد يظنان ما ليس بجارح جارحا وقد يظنان ما لا يستقل باثبات العدالة تعديلا ولا سيما مع اختلاف المذاهب في الاصول والفروع فقد يكون ما ابهمه الجارح من الجرح هو مجرد كونه على غير مذهبه وعلى خلاف ما يعتقده وان كان حقا وقد يكون ما ابهمه من التعديل هو مجرد كونه على مذهبه وعلى ما يعتقده وان كان في الواقع مخالفا للحق كما وقع ذلك كثيرا
وعندي ان الجرح المعمول به هو ان يصفه بضعف الحفظ او بالتساهل في الرواية او بالاقدام على ما يدل على تساهله بالدين والتعديل المعمول به هو ان يصفه بالتحري في الرواية والحفظ لما يرويه وعدم الاقدام على ما يدل على تساهله بالدين فاشدد على هذا يديك تنتفع به عند اضطراب امواج الخلاف فان قلت اذا ورد الجرح المطلق كقول الجارح ليس بثقة او ليس بشيء او هو ضعيف فهل يجوز العمل بالمروي مع هذا ام لا قلت يجب حينئذ التوقف حتى يبحث المطلع على ذلك على حقيقة الحال في مطولات المصنفات في هذا الشأن كتهذيب الكمال للمزي وفروعه وكذا تاريخ الاسلام وتاريخ النبلاء والميزان للذهبي
فرع ثالث في تعارض الجرح والتعديل وعدم امكان الجمع بينهما وفيه اقوال
القول الاول ان الجرح مقدم على التعديل وان كان المعدلون اكثر من الجارحين وبه قال الجمهور كما نقله عنهم الخطيب والباجي ونقل القاضي فيه الاجماع قال الرازي والامدي وابن الصلاح انه الصحيح لان مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل قال ابن دقيق العيد وهذا انما يصح على قول من قال ان الجرح لا يقبل الا مفسرا وقد استثنى اصحاب الشافعي من هذا ما اذا جرحه بمعصية وشهد الاخر انه قد تاب منها فانه يقدم في هذه الصورة التعديل لأن معه زيادة علم
القول الثاني انه يقدم التعديل على الجرح لان الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الامر جارحا والمعدل اذا كان عدلا لا يعدل الا بعد تحصيل الموجب لقبلوه جرحا حكى