العاصي مأمور بالايمان وممتنع منه الفعل لأن الله قد علم انه لا يؤمن ووقوع خلاف معلومة سبحانة محال والإلزام الجهل واللازم باطل فالملزوم مثله وقالوا ايضا بأنه لو لم يجز لم يقع وقد وقع فانه سبحانه كلف ابا جهل بالايمان وهو تصديق رسوله في جميع ما جاء به ومن جمله ما جاء به ان ابا جهل لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه في انه لا يصدقه وهو محال واجيب عن الدليل الاول بأن ذلك لا يمنع تصور الوقوع لجواز وقوعه من المكلف في الجملة وان امتنع لغيره من علم او غيره فهو في غير محل النزاع وعن الثاني بأنه لم يكلف الا بتصديقه وهو ممكن في نفسه متصور وقوعه الا انه ممن علم الله انهم لا يصدقونه كعلمه بالعاصين هذا الكلام في التكليف بما لا يطاق واما التكليف بما علم الله انه لا يقع فالاجماع منعقد على صحته ووقوعه
المسألة الثانية ان حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف عند اكثر الشافعية والعراقيين من الحنفية وقال جماعة منهم الرازي وابو حامد وابو زيد والسرخسي هو شرط وهذه المسألة ليست على عمومها اذا لا خلاف في ان مثل الجنب والمحدث مأموران بالصلاة بل هي مفروضة في جزئي منها وهو ان الكفار مخاطبون بالشرائع أي بفروع العبادات عملا عند الاولين لا عند الاخرين وقال قوم من الاخرين هم مكلفون بالنواهي لأنها اليق بالعقوبات الزاجرة دون الاوامر والحق ما ذهب اليه الاولون وبه قال الجمهور ولا خلاف في انهم مخاطبون بأمر الايمان لانه مبعوث الى الكافة وبالمعاملات ايضا والمراد بكونهم مخاطبين بفروع العبادات انهم مؤاخذون بها في الاخرة مع عدم حصول الشرط الشرعي وهو الايمان
استدل الأولون بالأوامر العامة كقوله { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ونحوها وهم من جملة الناس واستدلوا ايضا بما ورد من الوعيد للكفار على الترك كقوله { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين } لا يقال قولهم ليس بحجة لجواز كذبهم لأنا نقول ولو كذبوا لكذبوا واستدلوا ايضا بقوله سبحانه { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } وقوله { ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } والايات والاحاديث في هذا الباب كثيرة جدا