منه ما استطعتم فانما هلك الذين من قبلكم من كثرة مسائلهم واختلافهم على انبيائهم فرد ذلك الى مشيئتنا وهو معنى الندب واجيب عن هذا بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا وانما يجب علينا ما نستطيعه والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة واحتجوا ايضا بأنه لا فرق بين قول القائل لعبده اسقني وبين قوله اريد ان تسقيني فليس الا مجرد الاخبار بكونه مريدا للفعل وليس فيه طلب للفعل وهذا اشق ما احتجوا به مع كونه مدفوعا بما سمعت وقد احتجوا بغير ذلك مما لا يفيد شيئا واحتج القائلون بأن صيغة الامر مشتركة بين الوجوب والندب او بينهما وبين الاباحة اشتراكا لفظيا بأنه قد ثبت اطلاقها عليهما او عليها والاصل في الاطلاق الحقيقة واجيب بما تقدم من ان المجاز اولى من الاشتراك وايضا كان يلزم ان تكون الصيغة حقيقة في جميع معاني الامر التي سيأتي بيانها لأنه قد اطلق عليها ولو نادرا ولا قائل بذلك واحتج القائلون بأن الصيغة موضوعة لمطلق الطلب بأنه قد ثبت الرجحان في المندوب كما ثبت في الواجب وجعلها للوجوب بخصوصه لا دليل عليه واجيب بأنه قد دل الدليل عليه كما تقدم في ادلة القائلين بالوجوب وايضا ما ذكروه هو اثبات اللغة بلوازم الماهيات وذلك انهم جعلوا الرجحان لازما للوجوب والندب وجعلوا صيغة الامر لهما بهذا الاعتبار واللغة لا تثبت بذلك واحتج القائلون بالوقف بأنه لو ثبت تعيين الصيغة لمعنى من المعاني لثبت بدليل ولا دليل واجيب بأن الدليل قد دل على تعيينها باعتبار المعنى الحقيقي للوجوب كما قدمنا
واذا تقرر لك هذا عرفت ان الراجح ما ذهب اليه القائلون بأنها حقيقة في الوجوب فلا تكون لغيره من المعاني الا بقرينة لما ذكرناه من الادلة ومن انكر استحقاق العبد المخالف لأمر سيده للذم وانه يطلق عليه بمجرد هذه المخالفة اسم العصيان فهو مكابر ومباهت فهذا يقطع النزاع باعتبار العقل واما باعتبار ما ورد في الشرع وما ورد من حمل اهله للصيغ المطلقة من الأوامر على الوجوب ففيما ذكرناه سابقا ما يغني عن التطويل ولم يأت من خالف هذا بشيء يعتد به اصلا
واعلم ان هذا النزاع انما هو في المعنى الحقيقي للصيغة كما عرفت واما مجرد استعمالها فقد تستعمل في معان كثيرة قال الرازي في المحصول قال الاصوليون صيغة إفعل مستعملة في خمسة عشر وجها للايجاب كقوله { أقيموا الصلاة }