يقوم مقام الفعل فلا يكون عاصيا الا بتركهما واجيب بأن الطاعة انما هي بالفعل بخصوصه فهو مقتضى الامر فوجوب العزم ليس مقتضاه واستدل الجويني على ما ذهب اليه من الوقف بأن الطلب متحقق والشك في جواز التأخير فوجب الفور ليخرج عن العهدة بيقين واعترض عليه بأن هذا الاستدلال لا يلائم ما تقدم له من التوقف في كون الامر للفور وايضا وجوب المبادرة ينافي قوله المتقدم حيث قال اقطع بأن المكلف مهما اتى بالمأمور به فهو موقع بحكم الصيغة للمطلوب واعترض عليه ايضا بأن التأخير لا نسلم أنه مشكوك فيه بل التأخير جائز حقا لما تقدم من الادلة
فالحق قول من قال انه لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخ ولا ينافي هذا اقتضاء بعض الاوامر للفور كقول القائل اسقني اطعمني فانما ذلك من حيث ان مثل هذا الطلب يراد منه الفور فكان ذلك قرينة على ارادته به وليس النزاع في مثل هذا انما النزاع في الاوامر المجردة عن الدلالة على خصوص الفور او التراخي كما عرفت = الفصل السادس
ذهب الجمهور من اهل الاصول ومن الحنفية والشافعية والمحدثين الى ان الشيء المعين اذا امر به كان ذلك الامر به نهيا عن الشيء المعين المضاد له سواء كان الضد واحدا كما اذا امره بالايمان فانه يكون نهيا عن الكفر واذا امره بالحركة فانه يكون نهيا عن السكون او كان الضد متعددا كما اذا أمره بالقيام فانه يكون نهيا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك وقيل ليس نهيا عن الضد ولا يقتضيه عقلا واختاره الجويني والغزالي وابن الحاجب وقيل انه نهي عن واحد من الاضداد غير معين وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية والمحدثين ومن هؤلاء القائلين بأنه نهي عن الضد من عمم فقال انه نهي عن الضد في الامر الايجابي والأمر الندبي ففي الاول نهي تحريم وفي الثاني نهي كراهة ومنهم من خصص ذلك بالأمر الايجابي دون الندبي ومنهم ايضا من جعل النهي عن الشيء امرا بضده كما جعل الامر بالشيء نهيا عن ضده ومنهم من اقتصر على كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده وسكت عن النهي وهذا معزو الى الأشعري ومتابعيه واتفق المعتزلة على ان الامر بالشيء ليس نهيا عن ضده والنهي عن الشيء ليس امرا بضده وذلك لنفيهم الكلام النفسي ومع اتفاقهم على هذا النفي أي نفي كون كل واحد منهما عينا لاثبات ضده او نفيه اختلفوا هل يوجب كل من الصيغتين حكما في الضد ام لا فأبو هاشم ومتابعوه قالوا لا يوجب شيء منهما حكما في الضد بل الضد مسكوت عنه وابو الحسين وعبد الجبار قالا الامر يوجب حرمة الضد وفي عبارة اخرى عنهم يدل عليها وفي عبارة ثالثة عنهم يقتضيها وقال الرازي والقاضي ابو زيد وشمس الائمة السرخسي وصدر الاسلام واتباعهم من